
الحكومةالسودانية تراهن على التعدين لإنعاش الاقتصاد
التحول الرقمي.. حوكمة ورقابة ذكية
مكافحة التهريب.. تعظيم الإنتاج وحماية الموارد
تقنين التعدين التقليدي.. تنظيم واستدامة وحماية للبيئة
وزير المعادن: تحديث القطاع أولوية وطنية
تقرير- إسماعيل جبريل تيسو
وضعت الحكومة تطوير قطاع التعدين في صدارة أولوياتها الاقتصادية، انطلاقاً من المكانة التي بات يحتلها هذا القطاع بوصفه أحد أهم روافد الاقتصاد السوداني ومصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي والإيرادات العامة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي أفرزتها الحرب وتداعياتها على مختلف القطاعات الإنتاجية.
وفي إطار هذا التوجه، تمضي الدولة نحو بناء نموذج حديث لإدارة التعدين يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، هي: التحول الرقمي، وتقنين التعدين التقليدي، والالتزام بالمعايير البيئية والصحية، بما يحقق قطاعاً أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.
وأكد وزير المعادن، نور الدائم محمد أحمد طه، أن الحكومة ماضية في تحديث منظومة التعدين عبر توظيف التقنيات الرقمية، وإحكام الرقابة على إنتاج وتداول الذهب، وترسيخ معايير البيئة والسلامة، بما يسهم في تعظيم العائد الاقتصادي وحماية الثروات الوطنية.
وجاء ذلك خلال زيارته إلى سوق طواحين دارمالي بولاية نهر النيل، برفقة والي الولاية محمد البدوي عبد الماجد، ومدير الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة بالولاية محمد معتز حاج نور، حيث وقف الوفد على سير تنفيذ مشروع استمارة الذهب الإلكترونية، وبرامج الرقابة والبيئة والسلامة والصحة المهنية داخل سوق التعدين.
إعادة هيكلة القطاع
لم تعد معركة الدولة في قطاع التعدين تقتصر على زيادة إنتاج الذهب أو رفع حجم الصادرات، بل أصبحت معركة متكاملة لإعادة تنظيم القطاع، وإحكام الرقابة على حركة المعدن النفيس، وتجفيف منابع التهريب، وتقنين التعدين التقليدي، وترسيخ معايير السلامة والبيئة، وصولاً إلى صناعة تعدينية حديثة تعتمد على التكنولوجيا والحوكمة والشفافية.
ويعكس التحول الجاري داخل أسواق التعدين انتقالاً واضحاً من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية، بما يمنح الدولة القدرة على تتبع حركة الذهب منذ استخراجه وحتى تصديره، ويعزز حماية الموارد الوطنية وتعظيم عائداتها.
الاستمارة الإلكترونية… بداية التحول
ويُعد مشروع استمارة الذهب الإلكترونية أبرز أدوات هذا التحول، إذ يعتمد على حوسبة جميع إجراءات متابعة الذهب وربط مراحل إنتاجه وتداوله إلكترونياً، بما يسمح بتتبع المعدن النفيس لحظة بلحظة حتى وصوله إلى الأسواق الرسمية.
واستمع وزير المعادن خلال زيارته إلى شرح مفصل حول منظومة التحول الرقمي التي تنفذها الشركة السودانية للموارد المعدنية، مشيداً بما تحقق من تقدم، ومؤكداً أن التكنولوجيا أصبحت ركيزة أساسية لبناء قطاع تعدين حديث يقوم على الشفافية والحوكمة.
ولا تقتصر فوائد الرقمنة على تسريع الإجراءات، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة تساعد في التخطيط واتخاذ القرار، وتعزز كفاءة الرقابة، وتحد من فرص التلاعب بالإنتاج والتداول.
سد الفجوة المعلوماتية
وأوضح مدير إدارة التخطيط بالشركة السودانية للموارد المعدنية، الدكتور الصادق الحاج، أن مشروع التحول الرقمي يأتي ضمن البرنامج القومي لتحديث قطاع التعدين، ويستهدف نقل عمليات الإشراف والرقابة من الأساليب التقليدية إلى منظومات ذكية تعتمد على البيانات الفورية.
وأشار إلى أن المشروع يستهدف سد الفجوة المعلوماتية التي ظلت تمثل إحدى أبرز الثغرات التي تستغلها شبكات تهريب الذهب، عبر إنشاء منظومة متكاملة للتتبع اللحظي تبدأ من مناطق الإنتاج مروراً بأسواق التداول وحتى منافذ التصدير، بما يضمن الرقابة الكاملة على سلسلة القيمة.
وأضاف أن المشروع دخل بالفعل مرحلة التنفيذ في عدد من الولايات، من خلال منظومات تتبع ذكية مرتبطة بمركز رقابي موحد، يمنح الدولة القدرة على رصد أي أنماط غير طبيعية في الإنتاج أو التداول، بما يسهل اكتشاف محاولات التهريب أو التلاعب في وقت مبكر.
كما يشمل المشروع ربط العمليات الاستكشافية والإنتاجية إلكترونياً، بما في ذلك بيانات العمالة والوقود والمعدات ومراحل التشغيل، الأمر الذي يوفر معلومات دقيقة تدعم اتخاذ القرار، وتكشف الحجم الحقيقي للإنتاج في التعدين المنظم والتقليدي على حد سواء.
التكنولوجيا في مواجهة التهريب
ويظل تهريب الذهب أحد أكبر التحديات التي واجهت الاقتصاد السوداني خلال العقود الماضية، بعدما تسبب في فقدان مليارات الدولارات من عائدات الصادرات، وحرمان الدولة من موارد مهمة كان يمكن توجيهها للتنمية وإعادة الإعمار.
ويرى مختصون أن مكافحة التهريب لم تعد تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل أصبحت بحاجة إلى منظومة إلكترونية تجعل كل جرام من الذهب قابلاً للتتبع، وتغلق المنافذ التي تستغلها شبكات التهريب، وهو ما يجعل التحول الرقمي أحد أهم أدوات حماية الثروة الوطنية.
تنظيم التعدين التقليدي
ورغم أن التعدين التقليدي يمثل المصدر الأكبر لإنتاج الذهب في السودان، فإن استدامة هذا النشاط تتطلب إخراجه من دائرة العشوائية إلى فضاء التنظيم، عبر سياسات التقنين والتسجيل، وتقديم الخدمات والإرشاد الفني.
ويؤكد الخبراء أن دمج المعدنين التقليديين في الاقتصاد الرسمي يحقق فوائد مشتركة، إذ يوفر للدولة بيانات دقيقة عن الإنتاج ويزيد الإيرادات ويحد من التهريب، بينما يتيح للمعدنين بيئة أكثر استقراراً، وخدمات أفضل، وفرصاً للاستفادة من التقنيات الحديثة.
البيئة… شرط الصناعة الحديثة
ولم تعد صناعة التعدين الحديثة تقاس بحجم الإنتاج وحده، بل أصبحت تقاس أيضاً بمدى التزامها بحماية الإنسان والبيئة والموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، شدد وزير المعادن على ضرورة الالتزام بالاشتراطات البيئية، وتكثيف برامج التوعية، وترسيخ ثقافة السلامة والصحة المهنية داخل أسواق التعدين، مؤكداً أن الالتزام بهذه المعايير يسهم في جذب الاستثمارات، ويعزز مكانة السودان ضمن الدول التي تطبق مبادئ التعدين المسؤول والتنمية المستدامة.
رهان التعافي الاقتصادي
ومع تسارع خطوات الإصلاح، يتجه السودان نحو بناء قطاع تعدين أكثر تنظيماً وحداثة، قادر على تعظيم الإيرادات، والحد من التهريب، وجذب الاستثمارات، وتحويل الذهب إلى محرك حقيقي للتنمية.
وبين التحول الرقمي، وتقنين التعدين التقليدي، وتعزيز الرقابة، والالتزام بالمعايير البيئية، تتشكل ملامح صناعة تعدينية جديدة، تمثل أحد أهم رهانات الدولة في مسيرة التعافي الاقتصادي وإعادة البناء، ليصبح الذهب رافعةً للتنمية، لا مجرد ثروة تُستخرج من باطن الأرض.يمكن أيضاً رفع مستوى الصياغة إلى أسلوب التحقيقات الصحفية في صحيفة المجهر أو السوداني بحيث يكون أكثر قوة وثراءً من النسخة الحالية.






