تقارير

حُفرٌ على الطريق.. وكلفةٌ إقتصاد … وحوادث مرورية

فجاج برس

حُفرٌ على الطريق.. وكلفةٌ إقتصاد … وحوادث مرورية

خبير: الطريق المتدهور لا يرهق المركبات وحدها.. بل يحمّل الاقتصاد فاتورة إضافية

 

صحفي: بجانب الكلفة الاقتصادية .. الحوادث المرورية

من الخرطوم إلى كسلا والقضارف وبورتسودان.. طرقٌ متدهورة تستنزف المركبات وتُبطئ حركة التجارة

صاحب المركبة يدفع فاتورة الصيانة.. والمواطن يتحمل كلفة النقل.. والمنتج يواجه طريقاً أطول إلى الأسواق والموانئ

حُفر الطرق.. فاتورة تمتد من الخرطوم إلى كسلا والقضارف

طرقٌ تُبطئ التجارة وتستنزف المركبات وتهدد انسياب البضائع نحو الأسواق ومنافذ التصدير

تقرير ــ منى وداعه

ليست الحفرة على الطريق مجرد انخفاض في سطح الإسفلت، ولا التشققات مجرد عيب بصري يمكن تجاوزه بالمناورة. خلف كل حفرة تتسع دائرة من الخسائر تبدأ من المركبة، ولا تنتهي عند السوق.

في الخرطوم وأم درمان، يواجه السائقون يومياً طرقاً متضررة تفرض عليهم تخفيض السرعة والمناورة المستمرة، بينما تمتد المشكلة خارج العاصمة إلى الطرق الرابطة بين الولايات ومناطق الإنتاج والأسواق والموانئ، لتصبح حالة الطريق عاملاً مؤثراً في تكلفة النقل والزمن واستهلاك الوقود وصيانة المركبات.

ومن الخرطوم إلى كسلا و القضارف و بورتسودان، تبدو الحفرة صغيرة في حجمها، لكنها تكشف عن مشكلة أكبر تتعلق بكفاءة شبكة النقل وقدرتها على خدمة الاقتصاد وحركة المواطنين والبضائع.

السائق يدفع الفاتورة أولاً

بالنسبة للسائقين، لم تعد حالة الطريق تفصيلاً يمكن تجاهله عند حساب تكلفة الرحلة؛ فقد أصبحت الأعطال المحتملة جزءاً من الحساب اليومي.

ويقول أحد سائقي المواصلات في أم درمان لـ«فجاج» إن السائق بات يحسب إلى جانب الوقود والمسافة تكلفة الأعطال التي قد تسببها الطرق المتدهورة.

ويضيف: «الحفرة الواحدة ممكن تكلف السائق أكتر من دخل الرحلة، خصوصاً لو سببت عطل في الإطار أو المساعدات أو أجزاء من العربية».

ومع تكرار الرحلات، تتحول الأعطال الصغيرة إلى تكلفة متراكمة، تشمل الإطارات وقطع الغيار والزيوت وأعمال الصيانة، فضلاً عن الوقت الذي تفقده المركبة خارج الخدمة.

أم درمان.. الحفر ليست وحدها المشكلة

في أم درمان، لا تتوقف أزمة الطرق عند تآكل الإسفلت، إذ ترتبط حالة عدد من الشوارع أيضاً بضعف تصريف مياه الأمطار وتراكم النفايات وانسداد المصارف.

ويقول المواطن أحمد عاطف لـ«فجاج» إن معالجة الطرق تحتاج إلى النظر إلى المشكلة من جذورها، وليس الاكتفاء بردم الحفر بعد ظهورها.

حُفرٌ على الطريق.. وكلفةٌ إقتصاد ... وحوادث مرورية
حفر على الطريق بالخرطوم

ويشير إلى أن تنظيف المصارف وتوسيع شبكات تصريف مياه الأمطار يجب أن يسيرا بالتوازي مع صيانة الطرق، مع الاستفادة من الشراكات مع القطاع الخاص لتنفيذ مشروعات متكاملة.

ويرى أن حملات التوعية تمثل جانباً مهماً من المعالجة، خصوصاً في ما يتعلق بمنع إلقاء النفايات في الشوارع ومجاري المياه، إلى جانب استخدام تقنيات حديثة لمراقبة تدفق المياه وتحديد المواقع الأكثر حاجة للتدخل.

كسلا.. كل كيلومتر له كلفة

خارج العاصمة، تزداد آثار تدهور الطرق مع طول المسافات وارتباطها بحركة النقل بين الولايات.

وفي كسلا، يشكو سائقو المركبات والشاحنات من تأثير الطرق المتضررة على الرحلات الطويلة، حيث يؤدي انخفاض سرعة المركبات إلى زيادة زمن الرحلة واستهلاك الوقود، فضلاً عن ارتفاع احتمالات الأعطال.

ويقول حسن، أحد السائقين في كسلا، لـ«فجاج»: «في السفر الطويل أي مشكلة في الطريق بتتحسب علينا؛ الزمن بزيد، الوقود بزيد، والعربية بتحتاج صيانة أكتر».

ولا تتوقف الكلفة عند حدود السائق، إذ تنتقل زيادة تكلفة الرحلة إلى أجور الترحيل، ثم إلى أسعار السلع في الأسواق، بما يجعل حالة الطريق عاملاً مؤثراً في معيشة المواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

القضارف.. عندما يتعطل الطريق يتعطل جزء من الإنتاج

في القضارف، تتخذ أزمة الطرق بعداً اقتصادياً أكثر وضوحاً، بالنظر إلى الثقل الزراعي للولاية وحجم حركة المحاصيل بين مناطق الإنتاج ومراكز التجميع والأسواق.

ويقول الصحفي لؤي التوم، من القضارف، لـ«فجاج» إن الطرق تمثل شرياناً أساسياً لحركة الإنتاج والتجارة، وإن تراجع كفاءتها ينعكس مباشرة على حركة المحاصيل والسلع.

ويشير إلى أن ارتفاع تكلفة الترحيل وطول زمن الرحلات يضيفان أعباء جديدة على المنتج والتاجر وشركات النقل، خاصة خلال المواسم التي تشهد حركة كثيفة للمحاصيل.

بورتسودان ـ كسلا.. طريق في قلب التجارة

ولا تقتصر آثار تدهور الطرق على الولايات الداخلية، فطريق بورتسودان ـ كسلا يمثل أحد المسارات المهمة لحركة البضائع نحو الموانئ.

ويقول محمد نور، من بورتسودان بولاية البحر الأحمر، لـ«فجاج» إن أعمال الصيانة التي تُنفذ في بعض المواقع تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى المعالجات المؤقتة منها إلى الصيانة الجذرية.

ويضيف أن عدم معالجة أسباب التلف يجعل المشكلة تتكرر، مشيراً إلى أن طريق بورتسودان ـ كسلا يحتاج إلى معالجة جذرية ، باعتباره طريقاً تجارياً مهماً لحركة الصادرات والواردات ، بجانب ان معظم الحوادث المرورية سببها تلك الحفر التي يحاول السائق تفاديها مع سرعة زائدة.

الخبير: الطريق جزء من البنية الاقتصادية

ويضع البروفيسور هيثم محمد فتحي مشكلة الطرق في إطار أوسع من كونها أزمة خدمية.

ويقول إن تدهور البنية التحتية للطرق ينعكس على النشاط الاقتصادي من خلال ارتفاع تكاليف النقل والوقود والصيانة، إلى جانب الخسائر الناتجة عن تأخر وصول السلع والمنتجات إلى الأسواق.

ويشير إلى أن الطريق لا يمثل مجرد ممر للمركبات، وإنما جزء أساسي من البنية التحتية للاقتصاد، موضحاً أن كفاءة شبكة الطرق ترتبط بانسياب حركة السلع وتقليل تكاليفها وتعزيز قدرتها على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية.

من الحفرة إلى سعر السلعة

المشكلة لا تنتهي عندما تتجاوز الشاحنة حفرة في الطريق.

فالسلعة تبدأ رحلتها من منطقة الإنتاج، ثم تنتقل إلى مراكز التجميع والتخزين والأسواق، وقد تمر بعد ذلك إلى الموانئ ومنافذ التصدير. وكلما ارتفعت تكلفة النقل في إحدى هذه الحلقات، انعكس ذلك على التكلفة النهائية للسلعة.

وبالتالي، فإن تدهور الطرق لا يحمّل السائق وحده فاتورة إضافية؛ بل تنتقل التكلفة تدريجياً إلى المنتج والتاجر والمستهلك.

وهنا تصبح الحفرة جزءاً من سلسلة اقتصادية طويلة تبدأ من الطريق وتنتهي عند رف السوق.

الصادرات أمام اختبار الطريق

تتضاعف أهمية الطرق عندما يتعلق الأمر بالمنتجات المتجهة إلى الأسواق الخارجية.

فارتفاع تكلفة النقل، وطول زمن الرحلات، وزيادة استهلاك الوقود وأعمال الصيانة، كلها عوامل تؤثر في القدرة التنافسية للمنتج السوداني.

وتصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة للمنتجات الزراعية وسريعة التلف، إذ يمكن أن يؤدي التأخير في الوصول إلى مراكز التجميع أو الموانئ إلى تراجع الجودة وزيادة الفاقد.

وعليه، فإن الطريق الجيد لا يعني فقط رحلة أسرع وأكثر راحة، بل يعني أيضاً تكلفة أقل وقدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الخارجية.

حين تصبح الدقائق مسألة حياة

بعيداً عن الحسابات الاقتصادية، تحمل الطرق المتدهورة مخاطر إنسانية لا تقل أهمية.

فالحفر والتشققات وضيق بعض المسارات يمكن أن تبطئ سيارات الإسعاف والإطفاء ومركبات الطوارئ، في ظروف تكون فيها الدقائق حاسمة.

ويجد سائقو مركبات الطوارئ أنفسهم أمام معادلة صعبة: الوصول في أسرع وقت ممكن، مع محاولة تفادي الحفر والمطبات التي قد تعرض المركبة والمرضى والطاقم للخطر.

الترقيع لا يكفي

يرى مختصون أن ردم الحفر وحده لا يمثل حلاً مستداماً إذا لم تتم معالجة الأسباب التي تقف وراء تدهور الطريق.

وتبرز مشكلات تصريف مياه الأمطار وتسرب المياه وتراكمها باعتبارها من العوامل التي يمكن أن تسرّع تلف طبقات الطريق، فضلاً عن الأحمال الثقيلة والتوسع العمراني وزيادة حركة المركبات.

لذلك، فإن صيانة الإسفلت ينبغي أن تترافق مع تطوير شبكات الصرف، ومراجعة تصميم بعض الطرق ورفع قدرتها على تحمل الأحمال، بدلاً من انتظار ظهور التلف ثم التدخل بعد اتساع رقعته.

الصحافة أمام سؤال الطريق

ويرى صحفيون أن قضية الطرق تستحق أن تُعامل باعتبارها ملفاً اقتصادياً وخدمياً مستمراً، لا مجرد شكاوى متفرقة تظهر عند تدهور طريق أو وقوع حادث.

فالطرق ترتبط بحركة الإنتاج والأسواق والنقل والتجارة الداخلية والخارجية، ولذلك فإن مراقبة حالتها، وتقييم أعمال الصيانة، والكشف عن أسباب تكرار التلف، كلها قضايا تمس حياة المواطن والاقتصاد في آن واحد.

طريق واحد.. اقتصاد كامل

من الخرطوم وأم درمان إلى كسلا والقضارف وبورتسودان، تكشف الحفر والتشققات عن مشكلة تتجاوز الإسفلت.

إنها مشكلة تمس السائق الذي يدفع تكلفة الصيانة، والمواطن الذي يتحمل زيادة كلفة النقل، والتاجر الذي ترتفع عليه تكلفة الترحيل، والمزارع الذي يحتاج إلى طريق آمن لنقل إنتاجه، والمصدّر الذي يبحث عن وسيلة نقل أسرع وأقل تكلفة للوصول إلى الموانئ والأسواق الخارجية.

السؤال ليس: متى تُردم الحفرة؟

تحتاج معالجة أزمة الطرق إلى الانتقال من سياسة الاستجابة للتلف إلى سياسة الوقاية منه، عبر خطط صيانة دورية، ومعالجة شبكات تصريف المياه، ومراقبة الأحمال، وتحديد أولويات الصيانة وفقاً لأهمية الطرق الاقتصادية وحجم الحركة عليها.

وفي الخرطوم، تبدو الحاجة واضحة إلى ربط صيانة الطرق بملف تصريف مياه الأمطار والنظافة، مع توسيع الشراكات مع القطاع الخاص وتوظيف التقنيات الحديثة لرصد النقاط الحرجة.

فالسؤال لم يعد فقط: متى تُردم الحفرة؟

بل أصبح السؤال الأهم: لماذا تتكرر الحفرة بعد ردمها؟

وبين حفرة وأخرى، لا يخسر السائق جزءاً من عمر مركبته فحسب، بل يخسر الاقتصاد زمناً ومالاً كان يمكن أن يتحولا إلى إنتاج وحركة وتجارة.

من الخرطوم إلى كسلا والقضارف وبورتسودان، تبدو الحفرة صغيرة على الطريق، لكنها تحمل فاتورة أكبر بكثير من مساحتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى