
خبراء يؤكدون: إعفاء السلع يكسر الجمود ويواجه الغلاء
خبير اقتصادي: خطوة إسعافية ممتازة لتوفير الغذاء بالأسواق
خبير استراتيجي:
إلغاء الحظر والجمارك يكسر احتكار الأسواق
خبير مصرفي: توفير النقد الأجنبي شرط لنجاح القرار
تقرير ـ أمين محمد الأمين
أكد خبراء اقتصاديون واستراتيجيون ومصرفيون أن التوجيه الرئاسي الأخير بإنهاء حظر استيراد السلع الغذائية وإعفائها من الرسوم الجمركية يمثل خطوة إسعافية بالغة الأهمية لدرء شبح الندرة الغذائية وكسر الاحتكار بالأسواق، مشيرين إلى أن هذه الخطوة ستسهم بشكل فوري في خفض أسعار السلع الأساسية وتوفيرها للمواطنين، ولافتين في الوقت ذاته إلى أن نجاح القرار واستدامته يظل مرهوناً بمعالجة ضغوط سعر الصرف، وتوفير النقد الأجنبي عبر المصارف، وحماية المزارع المحلي من تداعيات الإغراق، وتلافي العجز المحتمل في إيرادات الخزانة العامة عبر حزمة سياسات متكاملة.
أصل القرار
ونقلت وسائل إعلامية أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، قد أصدر توجيهات رسمية بإلغاء قرار حظر استيراد عديد من السلع الغذائية، وتضمنت التوجيهات إعفاء الدقيق، والأرز، والبقوليات، والفول، والعدس، وزيوت الطعام، إضافة إلى الخضروات والفواكه من الرسوم الجمركية، فضلاً عن فتح باب استيرادها كاملاً أمام التجار والمستوردين لسد الفجوة الغذائية بالسوق المحلي.
توقيت مناسب
أشاد الخبير الاقتصادي، الدكتور أبوبكر التيجاني، بقرار إلغاء حظر استيراد السلع الغذائية وإعفائها من الرسوم الجمركية، مؤكداً أنه قرار جيد وفي محله نظراً لضعف موسم الخريف الحالي وما يتوقع أن يتبعه من نقص في المعروض الغذائي، مبيناً أن هذه الخطوة تمثل نقطة أساسية لتوفير الغذاء للناس في توقيت بالغ الأهمية.
تحدي الأسعار
وحول انعكاس القرار على الأسعار، أوضح الدكتور التيجاني أن الأسعار ستشهد ارتفاعاً لا يُعزى للقرار بحد ذاته، بل لارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني الذي مر بأسوأ حالاته من انخفاض القيمة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذا الارتفاع لن يكون كبيراً، لكون المزارع المحلي سيحاول البيع بأسعار تقل عن عروض المستوردين، مما يسهم في تخفيف حدة الغلاء.
حماية الإنتاج
وأكد الخبير الاقتصادي أن القرار سيشجع المزارعين المحليين على الإقبال على الزراعة وضمان تسويق إنتاجهم على الفور، موضحاً أن وجود سلع مستوردة بأسعار محددة سيشجع المزارع السوداني على زيادة الإنتاج والتنافس، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تحمل في طياتها العديد من الجوانب الإيجابية للاقتصاد الزراعي.
ضغط الصرف
وفيما يخص تأثير القرار على سعر الصرف، استبعد الدكتور أبوبكر أن يضغط القرار بشكل كبير على سعر العملات الأجنبية، مبيناً أن الارتفاع الحالي يعود لأسباب أعمق تتمثل في ظروف الحرب، ولجوء أعداد غفيرة من المواطنين لبيع ممتلكاتهم ومصانعهم وطلب الدولار بصورة رهيبة للخروج بها إلى الخارج، إضافة إلى تحويلات الموظفين المغتربين لمرتباتهم بالخارج.
شح العملات
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الطلب المرتفع على الدولار يواجهه شح كبير في الموارد وغياب مصادر التغطية الكافية، موضحاً أن عائدات الصادرات، كالذهب وغيرها، لا يؤول كاملها إلى بنك السودان المركزي، وهو ما يفسر حدة الطلب على العملة الصعبة بعيداً عن أثر قرارات الاستيراد.
عجز الإيرادات
وفيما يتعلق بتأثير الإعفاءات على الخزانة العامة للدولة، أقر الدكتور التيجاني بوقوع نقص متوقع في الإيرادات الجمركية، مقترحاً معالجة ذلك عبر فرض زيادات ضريبية وجمركية على السلع الكمالية والغير ضرورية، مؤكدًا أن التركيز على هذا الجانب سيمكّن الدولة من تعويض النقص وعدم تسجيل عجز كبير.
خطوة إسعافية
واختتم الخبير الاقتصادي تأكيده بأن القرار يمثل خطوة إسعافية مؤقتة وليست استراتيجية، مبيناً أنه سيتم التراجع عنه وإلغاؤه فور زوال الأسباب والظروف الحالية، مشيرًا إلى أن الغاية الأساسية منه تظل سد الفجوة الغذائية الناجمة عن ضعف الخريف وتراجع الإنتاجية الزراعية جراء تداعيات الحرب.
تأثير فوري
في السياق ذاته، أكد الخبير الاستراتيجي، الدكتور أزهري بشير أحمد، أن قرار إلغاء الحظر والجمارك سينعكس بشكل فوري وإيجابي على السوق المحلي عبر انخفاض متوقع في الأسعار بنسبة تتراوح بين 25 إلى 35%، موضحاً أن آلية التأثير تتمثل في إلغاء الجمارك السابقة التي كانت تراوح بين 20 إلى 40%، وإلغاء رسوم الميناء الإضافية، وفك احتجاز الحاويات، مما يؤدي إلى وفرة مفاجئة في العرض تكسر الاحتكار.
السلع الأساسية
وأوضح الدكتور أزهري أن الأرز المستورد يعد من أبرز السلع تأثراً؛ حيث سينخفض سعر الكيلو من 4500 جنيه إلى 2800 جنيه، إلى جانب انخفاض أسعار زيت الطعام من 8000 إلى 5000 جنيه، إضافة إلى تراجع أسعار العدس والفول، مشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة التنبه لمحاولات بعض التجار الكبار الذين اشتروا بأسعار عالية تثبيت الأسعار، مما يستوجب رقابة ومتابعة لصيقة من الدولة.
ضغط الصرف
وفيما يخص تأثير القرار على سعر الصرف، بيّن الخبير الاستراتيجي أن فتح الاستيراد سيخلق ضغطاً محتملا لكنه قابل للإدارة، مقدراً الحاجة الإضافية بنحو 200 إلى 300 مليون دولار شهرياً، مشيراً إلى أن عوامل التخفيف تشمل اقتصار القرار على السلع الغذائية الأساسية دون الكمالية، وانخفاض التهريب الذي سيوفر عملات صعبة كانت تذهب للسوق الأسود، مع ضرورة قيام بنك السودان المركزي بفتح نوافذ دولار مدعوم للغذاء.
حماية المزارع
وصف الدكتور أزهري تداعيات إعفاء المحاصيل والخضروات على المزارع السوداني بأنها النقطة الأخطر التي تتطلب حكمة بالغة، مبيناً أن إغراق السوق بالمنتجات المستوردة الرخيصة كالبطاطس والطماطم قد يدمر الإنتاج المحلي عالي التكلفة بسبب الحرب والوقود، مشدداً على أهمية تطبيق روزنامة استيراد تمنع دخول الخضار في مواسم الإنتاج المحلي (نوفمبر إلى مارس) وتسمح به في غيره، مع دعم مدخلات الإنتاج عبر عائدات الذهب.
تعويض الإيرادات
وعلى صعيد الخزانة العامة، توقع الخبير الاستراتيجي حدوث خسارة شهرية تقدر بنحو 60 إلى 80 مليار جنيه من جمارك الغذاء، مقترحاً تعويضها عبر مصادرة التهريب وتطوير إدارة المكافحة بأحدث المعدات، وتفعيل دور الشركة السودانية للمعادن لاستلام الذهب، إضافة إلى إعادة تبعية الصمغ والقطن والثروة الحيوانية لوزارة الزراعة، وتلسيم المواد الغذائية للمؤسسة التعاونية لضمان عودة هامش الربح للدولة.
خطوة إسعافية
واختتم الدكتور أزهري تحليله بالتأكيد على أن القرار يمثل خطوة إسعافية ضرورية ممتازة لكنها تظل ناقصة بدون حزمة استراتيجية متكاملة، موصياً بضرورة تسليم المواد الغذائية للمؤسسة التعاونية، وربط الصمغ والقطن والثروة الحيوانية بوزارة الزراعة، وتوجيه عائدات الذهب للشركة السودانية للمعادن، مشدداً على أهمية تطوير إدارة مكافحة التهريب وتطبيق عقوبات صارمة تصل للإعدام بحق مخربي الاقتصاد الوطني على غرار التجربتين الرواندية والصينية.
تدخل حاسم
إلى ذلك، أشار الخبير المصرفي، وليد دليل، إلى أن تعثر السياسات في دهاليز الوزارات جعل من تدخل رأس الدولة الطريق الوحيد لكسر الجمود، موضحاً أن التوجيه المنسوب إلى رئيس مجلس السيادة القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بإنهاء حظر استيراد المواد الغذائية وفتح الباب للمستوردين دون جمارك واستدعاء وزيري المالية والتجارة لتنفيذه، يمثل خطوة بالغة الأهمية رغم افتقارها للوثائق الرسمية حتى الآن، مبيناً أن القرار يأتي في لحظة حرجة بلغ فيها سعر الدولار بالسوق الموازية عشرة آلاف جنيه بتراجع للجنيه قدره 60% مقارنة بـ600 جنيه قبل الحرب.
عبرة التجربة
وأوضح الخبير المصرفي أن التدخل لم يأتِ من فراغ، بل سبقه حظر مجلس الوزراء في أبريل لنحو أربعين سلعة كمالية انتهى -حسب غرفة المستوردين- إلى خسارة الدولة لأكثر من ثلث إيرادات الموانئ مقابل توفير عُشر فاتورة الاستيراد مع استمرار هبوط الجنيه، مشيراً إلى انعكاس ذلك مباشرة على الأسواق ببلوغ جوال السكر 280 ألف جنيه مطلع سبتمبر، مؤكداً أن الغذاء يستأثر بـ52.89% من إنفاق الأسرة السودانية وسط تضخم سنوي بلغ 26.14% في أغسطس وارتفاعه بالمدن إلى 38.05% في ظل مجاعة تهدد نحو مئتي ألف شخص وفق التقارير الأممية.
مكاسب مرتقبة
وبيّن دليل أن القرار -إن نُفّذ- يحمل مكاسب واضحة تتمثل في توسيع دائرة المستوردين لكسر الاحتكار، وإسقاط الجمارك لخفض الكلفة، وإنهاء الحظر لإضعاف التهريب، مستشهداً بملف القمح الذي بلغت وارداته 1.7 مليون طن في 2025 مقابل 2.7 مليون طن قبل الحرب، ونحو 1.3 مليون طن في النصف الأول من 2026، مشيراً إلى توقعات وزارة الزراعة الأمريكية ببلوغها 2.8 مليون طن في موسم 2026/2027، ما يؤكد تصاعد الحاجة للاستيراد وتفادي ندرة تُسعَّر بالدولار.
معضلة التكلفة
وفي المقابل، حذر الخبير المصرفي من أن القرارات القوية لا تكتسب قوتها من صدورها وحدها، موضحاً أن الإعفاء الجمركي يعالج مكوّناً واحداً بينما يُسعَّر معظمها بسعر الصرف الذي رُفع دولاره الجمركي مؤخراً إلى أكثر من 5,600 جنيه مقابل سعر رسمي يبلغ 4,200، مبيناً أن السوق تتجاوز الدولار الجمركي بنحو 79%، وهو ما يبتلعه سعر العملة الفعلي، مستنكراً التناقض في توجيه إسعاف إسقاط الجمارك في ذات الأسبوع الذي يُرفع فيه الدولار الجمركي.
شح النقد
وأشار دليل إلى عقبة النقد الأجنبي وغياب ضمانات توفيره عبر المصارف، لاسيما وأن البلاد تصدّر ذهبها دون عوائد كافية بعد تسجيل الشركة السودانية للموارد المعدنية صادرات بنحو 20 طناً فقط من إنتاج مقدّر بـ70 طناً وخروج الباقي عبر التهريب، مضيفاً أن ذلك يتزامن مع عبء الموازنة التي تفقد إيراداً جمركياً هي في أمس الحاجة إليه.
مخرجات عملية
واستعرض الخبير المصرفي ملامح المخرج الحقيقي عبر تحويل التوجيه إلى سياسة متكاملة تشمل الإعفاء الكامل المحدد المدة للسلع الاستراتيجية (القمح، الدقيق، السكر، الزيوت، الأرز، وحليب الأطفال)، وتخفيضاً مدروساً لبقية الأصناف، وتوحيد الدولار الجمركي وتدريجه مع السوق، وتوفير النقد الأجنبي عبر المصارف وفق آلية شفافة، وضبط الرسوم الولائية، ونشر تقارير الأسعار.
استشراف المستقبل
واختتم دليل بالقول إن صدور القرار مكتوباً ومعه ضمانات النقد الأجنبي وتنسيق الجهات سيحقق تحسناً في توافر السلع وتراجعاً محدوداً بأسعار الأصناف المشمولة، بينما سيلقى مصير الحظر السابق إن ظل بلا تفاصيل، مؤكدًا أن رأس الدولة أحسن التدخل في ملف يمس قوت الناس، لكن قيمة التدخل تقاس بما يُترجَم منه على الأرض لا بمجرد صدوره.






