تقارير

تحت النار.. “الحركة الشعبية” في أخطر اختبار..

فجاج برس

تحت النار..

“الحركة الشعبية” في أخطر اختبار..

الانقسامات تتحول إلى اقتتال داخل معاقلها التاريخية..

تحرير (98) معتقلاً.. ثوار الأطورو يصعدون المواجهة..

مطالب بإبعاد الحلو وتشكيل قيادة انتقالية..

نزوح واسع.. وتسريبات عن ترتيبات إقليمية جديدة..

تقرير – إسماعيل جبريل تيسو

لم تعد الأزمة داخل الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو مجرد خلافات تنظيمية بين قياداتها وقواعدها، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة بعد تحولها إلى مواجهات عسكرية داخل أهم معاقل الحركة التاريخية في جبال النوبة. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الحركة ضغوطًا ميدانية متزايدة وأوضاعًا إنسانية متفاقمة، بالتزامن مع تداول تسريبات عن تحركات إقليمية قد تضيف أبعادًا جديدة للأزمة.

ويرى مراقبون أن أخطر ما في التطورات الحالية ليس اندلاع القتال في مناطق النفوذ التقليدية للحركة فحسب، وإنما انتقال الصراع إلى داخل البيت الداخلي، وهو تحول يهدد تماسك التنظيم ويضعف ثقة قواعده في القيادة، ويفتح الباب أمام متغيرات سياسية وعسكرية يصعب التنبؤ بمآلاتها.

تشظٍ متسارع

دخلت الأزمة مرحلة جديدة بعد اندلاع مواجهات مسلحة بين مجموعات من قبيلة الأطورو وقوات الجيش الشعبي الموالية لعبد العزيز الحلو في منطقتي كودي والليرة بمحور كاودا، في تطور يعكس انتقال الخلافات من دائرة الاحتجاجات التنظيمية إلى المواجهة العسكرية المباشرة.

وأكدت مصادر محلية لـ”الكرامة” أن الاشتباكات اندلعت عقب فرض مجموعة الأطورو حصارًا على عدد من مواقع الحركة، مطالبة بانسحاب قواتها منها، غير أن رفض تلك المطالب قاد إلى مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، وفاقمت معاناة السكان.

كما تحدثت المصادر عن موجات نزوح واسعة من القرى المحيطة بكاودا وكودي والليرة، مع فرار أعداد كبيرة من الأسر إلى مناطق أكثر أمنًا، وسط مخاوف من اتساع رقعة الأزمة الإنسانية إذا استمرت المواجهات.

ويرى متابعون أن انتقال القتال إلى مناطق ظلت لعقود تمثل الحاضنة الرئيسة للحركة الشعبية يعكس حجم التصدعات داخلها، ويؤكد أن الأزمة تجاوزت الخلافات التقليدية لتتحول إلى صراع على النفوذ والقيادة داخل التنظيم.

تحرير السجناء

وفي تطور لافت، نجحت مجموعة من الأطورو في اقتحام سجن بمنطقة كودي وإطلاق سراح (98) معتقلًا، معظمهم من أبناء المجموعة نفسها، في عملية اعتبرها مراقبون مؤشرًا واضحًا على عمق الأزمة الداخلية، وأعادت إلى الواجهة الاتهامات المتعلقة بوجود معتقلات داخلية وممارسات أمنية ضد معارضين داخل الحركة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقارير محلية إلى استمرار التوتر في كاودا وهيبان منذ مايو الماضي، وهو ما خلف عشرات القتلى والجرحى، إلى جانب موجات نزوح وتراجع ملحوظ في الأوضاع المعيشية.

ويعتقد محللون أن تحرير هذا العدد من المعتقلين يحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة، إذ يعكس تراجع قدرة قيادة الحركة على إحكام سيطرتها على مناطق نفوذها.سأواصل في الجزء الثاني بإعادة صياغة بقية التقرير، بدءًا من «الضغوط العسكرية» وحتى الخاتمة، مع الحفاظ على الأسلوب نفسه.

ضغوط عسكرية

وبالتزامن مع اتساع الانقسامات الداخلية، تواجه الحركة الشعبية تحديات ميدانية متزايدة، في ظل تقارير تتحدث عن استعادة الجيش السوداني عدداً من المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية في ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، عقب معارك مع قوات الحركة، مع الإبقاء على أسماء بعض تلك المواقع طي الكتمان لدواعٍ أمنية.

وتشير مصادر ميدانية إلى تراجع ملحوظ في الروح المعنوية وسط قوات الحركة بعد الخسائر التي تكبدتها خلال المواجهات الأخيرة، بينما تتصاعد داخل مناطق سيطرتها انتقادات لأسلوب إدارة عبد العزيز الحلو، الذي يدير شؤون الحركة من خارج مناطق نفوذها منذ سنوات، متنقلاً بين كمبالا ونيروبي وجوبا.

وتؤكد مصادر لـ”الكرامة” أن الأصوات المطالبة بإحداث تغيير في قيادة الحركة أصبحت أكثر حضوراً، مستندة إلى ما تصفه بتراجع الأداء العسكري، وطول فترة بقاء القيادة الحالية، فضلاً عن الجدل الذي أثاره التحالف مع قوات الدعم السريع، والذي يرى منتقدوه أنه نقل الحرب إلى جبال النوبة، وأحدث انقساماً داخل قواعد الحركة بسبب التباين بين مبادئها المعلنة وسلوك حليفها في الميدان.

نقطة اللاعودة

ويؤكد العضو السابق بمجلس التحرير القومي بالحركة الشعبية – شمال، عمار ناصر نميري، أن القوات المناهضة لعبد العزيز الحلو، والمعروفة باسم “ثوار جبل الدو” التابعة للوحدة الإدارية بأطورو، تمكنت من تنفيذ عمليات عسكرية في منطقة كودي، أسفرت عن تحرير (98) معتقلاً وإلحاق خسائر بقوات موالية للحركة.

وقال نميري إن المشهد الذي أعقب تحرير المعتقلين، ولقاءهم بذويهم ورفاقهم، يمثل محطة فارقة في تاريخ الصراع الداخلي، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستتواصل خلال الفترة المقبلة.

وكشف عن وساطات قادها عدد من قيادات الحركة، بينهم قائد أركان الجيش الشعبي عزت كوكو، لوقف القتال، إلا أنها قوبلت بالرفض من جانب الثوار، الذين يتمسكون بإبعاد عبد العزيز الحلو عن قيادة الحركة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتشكيل قيادة انتقالية تتولى إدارة المرحلة المقبلة.

وأضاف أن سقوط منطقة لويري، التي توصف بالقلب السياسي والرمز التاريخي للحركة الشعبية، يمثل بداية نهاية مرحلة سياسية استمرت لسنوات، ويعكس تنامي رغبة قواعد الحركة في إحداث تغيير جذري في بنيتها القيادية والسياسية.

تسريبات إقليمية

ومع تسارع الأحداث في جبال النوبة، تتداول أوساط سياسية وإعلامية تسريبات تربط ما يجري بحراك إقليمي يشمل جنوب السودان وإثيوبيا، وتشير إلى مشاورات تتعلق بالأوضاع الأمنية في الإقليم، وتحركات عسكرية قرب الحدود.

وتزامن ذلك مع زيارة مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية، الفريق توت قلواك، إلى الخرطوم، حاملاً دعوة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لزيارة جوبا.

كما تتحدث الروايات المتداولة عن اجتماعات واتصالات بين مسؤولين إقليميين، وتكهنات بشأن بحث خيارات للتعامل مع التطورات الأمنية في ولاية جنوب كردفان.

ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي يؤكد هذه المعلومات، فإن مراقبين يرون أن مجرد تداول مثل هذه السيناريوهات يعكس الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها إقليم جبال النوبة بالنسبة لدول الجوار، ويؤكد أن أي تطور ميداني كبير ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود السودانية.

المشهد المفتوح

ومهما تكن دقة التسريبات المتداولة، فإن ما تشهده الحركة الشعبية اليوم يكشف أنها تواجه اختباراً وجودياً غير مسبوق، تتداخل فيه الانقسامات الداخلية مع الضغوط العسكرية والأزمة الإنسانية، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الإقليمي بما يجري في جبال النوبة.

فإذا كانت كاودا قد ظلت لعقود مركز القرار السياسي والعسكري للحركة، فإن انتقال الاقتتال إلى داخلها، وتصاعد المطالب بإبعاد عبد العزيز الحلو، واتساع موجات النزوح، كلها مؤشرات على دخول الحركة مرحلة مختلفة عن كل الأزمات التي واجهتها سابقاً.

وفي ظل استمرار المواجهات، وتزايد الضغوط العسكرية، وتداول الأنباء عن ترتيبات إقليمية محتملة، تبدو الأسابيع المقبلة مرشحة لحسم مستقبل قيادة عبد العزيز الحلو، وربما رسم ملامح مرحلة جديدة في المشهدين الأمني والسياسي بإقليم جبال النوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى