مقالات

مي الفاضل إبراهيم تكتب … إلى متى يتفاقم الوضع الاقتصادي في السودان؟

فجاج برس

مي الفاضل إبراهيم

إلى متى يتفاقم الوضع الاقتصادي في السودان؟

 

إلى متى يظل المواطن السوداني يواجه الغلاء وكأنه قدرٌ لا نهاية له؟
وإلى متى تظل أسعار السلع الأساسية في صعود، بينما تتراجع قيمة الجنيه السوداني وتتآكل دخول الأسر يوماً بعد يوم؟

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام تُقرأ في التقارير، ولا مؤشرات اقتصادية يتابعها المختصون، وإنما أصبحت واقعاً قاسياً يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية؛ في سعر الخبز، والدواء، والمواصلات، والمواد الغذائية، والإيجارات، وحتى في أبسط احتياجات الأسرة.

لقد أصبح المواطن يستيقظ كل صباح على أسعار جديدة، وكأن السوق يعيش في سباق لا يتوقف. وما كان يمكن شراؤه بالأمس بمبلغ معين، أصبح اليوم يحتاج إلى أضعافه. ومع تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية وارتفاع الدولار في السوق الموازية، تتسع الفجوة بين دخل المواطن وتكلفة المعيشة. وقد وصل الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7 آلاف جنيه في سبتمبر 2026، في مؤشر واضح على حجم الضغط الذي تتعرض له العملة الوطنية.

والأخطر من ارتفاع الأسعار هو تآكل القدرة الشرائية للمواطن.

فالمشكلة ليست فقط أن السلعة ارتفعت قيمتها، وإنما أن راتب الموظف والعامل وصاحب الدخل المحدود لم يعد قادراً على مجاراة هذا الارتفاع. المواطن الذي كان يستطيع تدبير احتياجات أسرته أصبح مضطراً إلى حذف الضروريات من قائمة مشترياته، وتأجيل العلاج، وتقليل الغذاء، والاستدانة لتغطية احتياجات أساسية.

وهنا يجب أن نتوقف أمام السؤال الحقيقي:

هل يمكن أن يستمر الاقتصاد السوداني بهذا الشكل إلى ما لا نهاية؟

الحرب ألحقت أضراراً هائلة بالإنتاج والزراعة والصناعة والتجارة والبنية التحتية، وأضعفت المؤسسات والأسواق وسلاسل الإمداد. كما أن استمرار الصراع يعني استمرار الضغط على موارد الدولة والإنتاج وفرص العمل. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني سنوات طويلة إلى الوراء، وأثرت بصورة مباشرة في قطاعات الإنتاج والخدمات والدولة.

لكن الحقيقة التي يجب أن نقولها بوضوح هي أن الحرب وحدها لا تفسر كل شيء.

هناك حاجة إلى إدارة اقتصادية أكثر صرامة، وضبط للأسواق، ومواجهة حقيقية للتهريب والمضاربات والاحتكار، وتقليل الرسوم والجبايات التي تنتقل في النهاية إلى جيب المواطن في صورة أسعار أعلى.

كما أن الحل لا يمكن أن يكون في مطاردة الدولار فقط، بينما الإنتاج المحلي ضعيف. فالدولة التي تستورد معظم احتياجاتها وتنتج القليل ستظل عملتها تحت الضغط مهما اتخذت من إجراءات مؤقتة.

الحل الحقيقي يبدأ من الإنتاج.

نحتاج إلى إعادة تشغيل المصانع، ودعم المزارعين، وتسهيل حركة التجارة، وتأمين الطرق والأسواق، وتوفير مدخلات الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وإعادة بناء القطاع المصرفي، وخلق بيئة تسمح لرأس المال الوطني بالعودة إلى دورة الاقتصاد.

نحتاج كذلك إلى سياسة واضحة تجاه سعر الصرف، لأن تعدد الأسعار والفجوة بين السعر الرسمي والموازي يخلق بيئة خصبة للمضاربة ويزيد من حالة عدم الاستقرار.

وليس من المنطقي أن نطالب المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية دون أن يرى إجراءات حقيقية تخفف عنه أعباء الحياة.

الصبر له حدود، والقدرة على التحمل لها حدود.

المواطن السوداني تحمل الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات وانقطاع الخدمات، ومع ذلك ظل يحاول أن يحافظ على أسرته وكرامته. لذلك فإن حماية المواطن اقتصادياً ليست رفاهية، وإنما مسؤولية أساسية.

نحن لا نحتاج إلى حلول تجميلية تخفف الأزمة لأيام ثم تعود الأسعار إلى الارتفاع من جديد. نحتاج إلى خطة اقتصادية واضحة ومعلنة، لها أهداف محددة ومواعيد للتنفيذ ومؤشرات لقياس النجاح.

نحتاج إلى أن يعرف المواطن:
ماذا ستفعل الدولة؟ وكيف ستواجه الغلاء؟ وكيف ستعيد للجنيه السوداني قوته؟ وكيف ستوفر السلع الأساسية بأسعار يستطيع المواطن تحملها؟

فالاقتصاد ليس مجرد أرقام في الموازنة، وإنما هو خبز المواطن، ودواؤه، وتعليم أبنائه، ومواصلاته، ومسكنه، وفرصة عمله وكرامته.

وإذا كان السودان يستعد لمرحلة التعافي وإعادة البناء، فإن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يبدأ من المباني والطرق وحدها، بل يبدأ أولاً من إنقاذ الاقتصاد وإنقاذ المواطن من الفقر والعوز.

لقد آن الأوان أن تتحول المعالجة الاقتصادية من ردود أفعال مؤقتة إلى مشروع وطني متكامل.

آن الأوان أن نسأل بجدية: إلى متى؟

إلى متى يظل المواطن يدفع ثمن الأزمة وحده؟

وإلى متى يظل الغلاء أسرع من دخول الناس؟

وإلى متى يظل الدولار هو المؤشر الذي يحدد للمواطن سعر حياته اليومية؟

السودان يمتلك الأرض والموارد والعقول والثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية، وما ينقصه ليس الإمكانات، وإنما الإدارة الرشيدة والاستقرار والسياسات الاقتصادية التي تحول الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وحياة كريمة.

إنقاذ الاقتصاد السوداني ليس مهمة وزارة واحدة، ولا مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما قضية وطنية تتطلب تضافر الدولة والقطاع الخاص والمجتمع والمنتجين والخبراء.

فالمواطن لا يريد وعوداً جديدة، بل يريد أن يرى انخفاضاً حقيقياً في الأسعار، واستقراراً في الأسواق، وقيمة أفضل لعملته، وفرصة عمل تحفظ له كرامته.

فإلى متى يتفاقم الوضع الاقتصادي بالسودان؟

الإجابة لا ينبغي أن تكون رقماً جديداً في تقرير اقتصادي، بل يجب أن تكون بداية تحرك حقيقي يضع المواطن السوداني في مقدمة أولويات الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى