
يشكّل تناولها عبر المنصات الرقمية ضرراً بالغاً،،
القوات النظامية..خطوط حمراء..
تحرّكات الجيش والمؤسسات الأمنية.. مابين المسموح والممنوع..
التحريض والنشر السالب..تهديد الأمن القومي..
الفريق تاور: الشائعات وخطابات الكراهية أخطر من الحرب..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
فرض التوسّع اللافت في تناول بعض الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب بعض الإعلاميين، لأخبار تتعلق بالقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية، كثيراً من التساؤلات حول حدود النشر المسؤول في ظل الحرب التي تشهدها البلاد، بعدما تجاوزت بعض المضامين مجرّد نقل الأخبار إلى تداول معلومات غير موثقة، أو تقديم تحليلات عسكرية وأمنية، أو الخوض في تفاصيل قد تمس الأمن القومي وتؤثر على سير العمليات العسكرية، ليطلَّ سؤالٌ محوري فارضاً نفسه بقوة: كيف يمكن للإعلام أن يؤدي رسالته في نقل الحقيقة، دون أن يتحول “بقصد أو بغير قصد” إلى منصة لنشر معلومات تضر بالأمن القومي، أو وسيلة لتغذية الشائعات وخطابات الكراهية التي تهدد وحدة المجتمع؟.
خصوصية:
والواقع أن المؤسسات العسكرية والأمنية، تختلف عن غيرها من مؤسسات الدولة، بحكم طبيعة المهام التي تضطلع بها في حماية السيادة الوطنية وصون الأمن والاستقرار، وهو ما يفرض ضوابط خاصة عند تناول أخبارها إعلامياً.
فليست كل معلومة قابلة للنشر، ولا كل ما يتداول عبر المنصات يمكن التعامل معه باعتباره خبراً صالحاً للنشر، لأن بعض التفاصيل قد ترتبط بسلامة العمليات العسكرية، أو تكشف معلومات يمكن أن تستفيد منها الأطراف المعادية، ولهذا، فإن المهنية الصحفية لا تعني فقط نقل الخبر، وإنما تعني أيضاً إدراك طبيعة المعلومات التي يمكن أن يؤثر نشرها في الأمن القومي أو سلامة الأفراد، والحرص على التحقق من المصادر، والابتعاد عن نشر التكهنات أو التحليلات غير المستندة إلى معلومات موثقة.
حرية التعبير:
ويجمع مراقبون على أن حرية التعبير، تمثل إحدى الركائز الأساسية للعمل الإعلامي، لكنها، في المقابل، ترتبط بمسؤولية قانونية ومهنية وأخلاقية تفرض على الصحفي والإعلامي والناشط، الالتزام بضوابط النشر وعدم استخدام المنصات الإعلامية للتحريض أو نشر الكراهية أو بث الشائعات، وتزداد أهمية هذا الالتزام في الراهن الماثل حيث تعيش البلاد تحت وطأة حرب وجودية، إذ يمكن لعبارة واحدة أو معلومة غير دقيقة أو منشور غير مسؤول أن يسهم في تأجيج الاحتقان، أو تعميق الانقسام المجتمعي، أو تقويض الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الكلمة في زمن الحرب أكثر حساسية وتأثيراً من أي وقت مضى، كما أن الخلط بين الرأي والخبر، أو تقديم الانطباعات الشخصية باعتبارها حقائق، يفتح الباب أمام انتشار المعلومات المضللة، ويُضعف قدرة المواطن على التمييز بين الوقائع والشائعات، الأمر الذي يُضاعف من مسؤولية المؤسسات الإعلامية في الالتزام بالدقة والحياد والموضوعية.
حماية المجتمع:
ويحدثنا لسان المهنية أن دور الإعلام لا يقتصر في أوقات الأزمات على نقل الوقائع، بل يمتد إلى الإسهام في حماية الوعي العام، من خلال تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، والتصدي للشائعات، وإعلاء قيم المنطق والموضوعية، ويبدأ ذلك بالتحقق من المعلومات قبل نشرها، والاعتماد على المصادر الموثوقة، والفصل بين الخبر والرأي، وتجنب اللغة التي تحمل أحكاماً مسبقة أو أوصافاً تحريضية، فضلاً عن إدراك أن تأثير الكلمة لا يقاس بعدد المتابعين أو حجم التفاعل، وإنما بقدرتها على خدمة الحقيقة وتعزيز الاستقرار المجتمعي، وهو أمرٌ يجعل من الإعلام شريكاً في حماية المجتمع، ليس بإخفاء الحقائق، وإنما بتقديمها بصورة مسؤولة تراعي حق المواطنين في المعرفة، وتحترم في الوقت نفسه مقتضيات الأمن القومي، وتجنب كل ما يمكن أن يحوِّل وسائل الإعلام إلى منصات لتأجيج الصراع أو توسيع دائرة الانقسام.
دور الناطق الرسمي:
ويرى الخبير العسكري والأمني، فريق شرطة حقوقي دكتور جلال تاور، أن خصوصية القضايا العسكرية والأمنية تفرض أن يكون تداول المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة والأجهزة النظامية عبر القنوات الرسمية المعتمدة، وقال تاور في إفادات صحيفة محدودة إن لكل مؤسسة ناطقاً رسمياً أو مسؤولاً مخولاً بإصدار المعلومات المسموح بنشرها للرأي العام، مؤكداً أن الالتزام بهذه القنوات يسهم في الحد من تداول المعلومات غير الدقيقة، ويحافظ على مقتضيات الأمن القومي، خاصة في ظل ظروف الحرب الماثلة، ويشير الفريق تاور إلى أن اتساع التناول الإعلامي لهذه الملفات خلال الفترة الأخيرة يرتبط بطبيعة الحرب التي طالت آثارها كل بيت سوداني، فضلاً عن غياب المجلس التشريعي “البرلمان” الذي كان من المفترض أن يضطلع بمناقشة القضايا الوطنية وإطلاع المواطنين على الحقائق، وهو ما أوجد فراغاً معلوماتياً أسهم في اتساع مساحة الاجتهادات والتفسيرات غير الرسمية.
تجريم التحريض:
و شدد الخبير العسكري والأمني، فريق شرطة حقوقي دكتور جلال تاور، على أن الإساءة للمؤسسات الأمنية أو التحريض أو نشر خطابات الكراهية ليست ممارسات مرفوضة أخلاقياً فحسب، وإنما تعد أفعالاً يجرمها القانون في أوقات السلم والحرب على السواء، لما تمثله من تهديد مباشر لوحدة المجتمع والأمن القومي، مبيناً أن القوانين الجنائية، وقوانين الأجهزة النظامية، وتشريعات الجرائم المعلوماتية، تتضمن نصوصاً واضحة لمواجهة هذه الأفعال، باعتبارها من السلوكيات التي تؤدي إلى إثارة الفتن وتعميق الانقسام المجتمعي، ويشير الفريق تاور إلى أن بعض الوقائع التي شهدتها البلاد خلال الحرب أظهرت أشخاصاً ادعوا الانتماء إلى جهات نظامية، قبل أن تصدر الجهات المختصة بيانات تنفي صلتهم بها، وهو ما يعكس أهمية تحري الدقة، وعدم الانسياق وراء المعلومات غير الموثقة أو الادعاءات التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
خاتمه مهمة:
على كلٍّ.. تبقى الكلمة أمانة قبل أن تكون مهنة، ورسالة قبل أن تكون خبراً، وفي زمن الحرب، قد يكون أثر مقال أو تقرير أو منشور على منصات التواصل أعمق من أثر كثير من الوقائع الميدانية، لأنه يسهم في تشكيل وعي الناس ومواقفهم، ومن هنا، فإن التناول المهني لقضايا الجيش والمؤسسات الأمنية لا يعني حجب الحقيقة، ولا التخلي عن الدور الرقابي للإعلام، وإنما يعني ممارسة هذا الدور بمسؤولية، مع إدراك أن الأمن القومي لا تحميه القوات المسلحة وحدها، بل تحميه أيضاً الكلمة الصادقة، والمعلومة الدقيقة، والإعلام الذي يضع مصلحة الوطن شعار، ويجعل وحدة المجتمع فوق كل اعتبار.






