
المعارك تتجدد في معاقل الحركة الشعبية …
انقسامات داخلية تهزّ معسكر الحلو
الذهب والنفوذ.. وقود المواجهات
الثوار يتقدمون نحو المواقع الاستراتيجية
نزوح واسع ومخاوف من كارثة إنسانية
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
عادت جبهات القتال للاشتعال داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – إقليم جبال النوبة، مع تجدد الاشتباكات في عدد من المناطق التي تمثل ثقلاً سياسياً وعسكرياً للحركة بقيادة عبد العزيز الحلو، في تطور يعكس تصاعد الصراع الداخلي واتساع نطاقه.
وتأتي هذه المواجهات في وقت تتشابك فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، وسط تنافس متزايد على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، إلى جانب الصراع على النفوذ ومراكز القرار داخل الإقليم. ويرى مراقبون أن ما تشهده جبال النوبة تجاوز حدود الاشتباكات المحدودة، ليدخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم خارطة السيطرة العسكرية والسياسية، خاصة مع الأنباء عن تقدم قوات الثوار في عدد من المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية.
الذهب يشعل المواجهات
برز ملف الموارد المعدنية بوصفه أحد أبرز أسباب تجدد القتال، إذ كشف عضو مجلس التحرير القومي بالحركة الشعبية – إقليم جبال النوبة، عمار ناصر نميري، أن الاشتباكات التي اندلعت في منطقتي إيرا وديبي جاءت على خلفية محاولات إدخال شركات أجنبية للتنقيب عن الذهب.
وقال نميري، في تصريحات لـ”الكرامة”، إن الشركات دخلت عبر دولة جنوب السودان مستخدمة تسع آليات ومعدات ثقيلة تمهيداً لبدء عمليات التعدين، إلا أن قوات الثوار تصدت لها، ما أدى إلى اندلاع مواجهات انتهت بانسحاب قوات الحركة من بعض المواقع.
وتعكس هذه التطورات انتقال الذهب من كونه مورداً اقتصادياً إلى عامل رئيسي في تغذية الصراع العسكري، وهو ما ينذر بمزيد من التعقيد خلال المرحلة المقبلة.
ديبي… بؤرة التوتر
ولا تبدو المواجهات في ديبي وإيرا معزولة عن السياق التاريخي للمنطقة، التي ظلت لسنوات مسرحاً لخلافات تتعلق بترسيم الحدود المحلية وملكية الأراضي والموارد، خاصة بين مكونات الشوايا والأطورو.
ويرى متابعون أن تشابك هذه التعقيدات مع ما تختزنه المنطقة من ثروات معدنية جعلها إحدى أكثر المناطق حساسية داخل جبال النوبة، الأمر الذي يفسر تجدد المواجهات فيها كلما ارتبطت قضايا النفوذ بالسيطرة على الموارد.
كاودا… معركة النفوذ
تمثل كاودا القلب السياسي والعسكري للحركة الشعبية، إذ تضم مقار القيادة والمؤسسات الرئيسية، ولذلك فإن أي تغير في خارطة السيطرة عليها يحمل دلالات تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة.
وبحسب إفادة عمار ناصر نميري، فإن قوات الثوار تمكنت من بسط سيطرتها على كاودا، إلى جانب مناطق جاوري وجبدي وإيرا وديبي، وهي مواقع تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة.
وتضم جاوري مركز التدريب العسكري للجيش الشعبي، بينما تحتضن جبدي المعهد القومي للتدريب والتأهيل السياسي، ما يجعل السيطرة عليها مؤثرة في البنية التنظيمية والعسكرية للحركة، ويعكس تحولاً مهماً في ميزان القوى داخل الإقليم.
تحركات غامضة للقيادات
ومن بين المؤشرات اللافتة، تداول معلومات عن مغادرة عدد من القيادات العسكرية والسياسية المقربة من عبد العزيز الحلو مدينة كاودا إلى مناطق أخرى داخل جبال النوبة.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات قد تعكس إعادة انتشار فرضتها التطورات الميدانية، أو ترتيبات أمنية لحماية القيادات في ظل اتساع رقعة القتال.
وكشف نميري أيضاً عن تعرض رئيس أركان الجيش الشعبي، عزت كوكو، لوعكة صحية، مع وجود محاولات لنقله إلى دولة جنوب السودان لتلقي العلاج، مشيراً إلى أنه غادر كاودا متوجهاً إلى منطقة الهيبان مع بداية المواجهات.
تصدعات داخل الحركة
ومن أبرز ما حملته إفادات نميري، حديثه عن رفض عدد من جنود الحركة الشعبية المشاركة في القتال ضد قوات الثوار، وهو ما يراه مراقبون مؤشراً على وجود تباينات داخل بعض الوحدات العسكرية بشأن إدارة الصراع.
ويعتقد محللون أن الانقسامات الداخلية قد تكون أكثر تأثيراً من الخسائر العسكرية، لأنها تمس تماسك المؤسسة العسكرية ومعنوياتها، وقد تفرض واقعاً جديداً على الأرض إذا استمرت المواجهات بالوتيرة الحالية.
وفي المقابل، تواصل قوات الثوار تحقيق تقدم ميداني والسيطرة على مواقع استراتيجية، في تطور يعكس تغيراً واضحاً في موازين القوى داخل الإقليم.
نزوح واسع ومخاوف إنسانية
وأدى تجدد الاشتباكات إلى نزوح آلاف المدنيين من مناطق القتال بحثاً عن ملاذات آمنة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية مع استمرار العمليات العسكرية.
وتحذر تقديرات ميدانية من أن استمرار القتال قد يفاقم معاناة السكان، ويستدعي تدخلاً عاجلاً من المنظمات الإنسانية لتوفير الغذاء والدواء والمأوى للنازحين.
مرحلة جديدة من الصراع
تشير مجمل التطورات إلى أن الصراع داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية دخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتشابك فيها رهانات النفوذ مع الصراع على الموارد الطبيعية، بينما تتوسع رقعة المواجهات لتشمل مراكز الثقل السياسي والعسكري للحركة.
وفي ظل استمرار القتال وتبدل موازين القوى على الأرض، يبقى مستقبل الإقليم مفتوحاً على احتمالات متعددة، تبدأ بإعادة رسم خارطة النفوذ، ولا تنتهي عند احتمال اتساع الأزمة العسكرية والإنسانية خلال الفترة المقبلة.هذه الصياغة أكثر ملاءمة للنشر الصحفي، مع لغة أكثر تماسكًا، وعناوين جانبية أقوى، وخاتمة تحمل طابعًا تحليليًا يتناسب مع التقارير السياسية.






