تقارير

مراقبون: السرية تحفظ هيبة الدولة في ظروف الحرب.. التراجع عن القرارات.. الأبعاد والتأثيرات..

فجاج برس

بين التردّد والإلغاء والتغيير ،،

القرار الحكومي..تساؤلات..

دعوات لضبط مؤسسي.. أوضاع استثنائية..

مراقبون: السرية تحفظ هيبة الدولة في ظروف الحرب..

التراجع عن القرارات.. الأبعاد والتأثيرات..

خبير: التأني في القرار التنفيذي يجنب التخبّط والارتباك..

تقرير – إسماعيل جبريل تيسو..

أجمع خبراء في الإدارة العامة والقانون والحوكمة المؤسسية على أن الدول التي تمر بظروف استثنائية، وفي مقدمتها الحروب والنزاعات، تصبح أكثر احتياجاً إلى منظومة متماسكة لصناعة القرار، تقوم على الدراسة والتنسيق والانضباط المؤسسي، مؤكدين أن أي ارتباك في القرارات أو تضارب في الرسائل الرسمية ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين وهيبة مؤسسات الدولة، وأوضحوا أن تجارب العديد من الدول أثبتت أن نجاح الدولة في إدارة الأزمات لا يقاس فقط بقدرتها على إدارة العمليات العسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة مؤسساتها بقرارات رصينة ومتسقة.

أهمية:
وتكتسب هذه الدعوات أهميتها في ظل موجة من جدل متكرر ضربت فضاءات المشهد السوداني مؤخراً بشأن قرارات حكومية تعرضت لحالة تسريبات سبقت صدورها، وقرارات أخرى جرى تداولها ثم نفيها أو تعديلها، إلى جانب انتشار وثائق وتوقيعات منسوبة إلى مسؤولين أثارت تساؤلات بشأن صحتها، وقد أسهمت هذه الممارسات في إرباك الرأي العام، وإضعاف اليقين بالمعلومة الرسمية، وتهيئة بيئة خصبة للشائعات، فضلاً عن استنزاف وقت مؤسسات الدولة في النفي والتوضيح بدلاً من التفرغ لإنجاز مهامها، وهو ما يؤكد أن الانضباط المؤسسي في صناعة القرار تجاوز مرحلة المطلب الإداري ليكون ضرورة وطنية، م أجل حماية هيبة الدولة وتعزيز الثقة في مؤسساتها، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

قرار رشيد:
ووفقاً لمختصين في الإدارة فإن بلداً كالسودان يواجه تحديات وجودية، يصبح فيه القرار الرشيد أحد أهم أدوات الصمود الوطني، باعتبار أن الحرب لا تُدار بالسلاح وحده، وإنما تحتاج إلى إدارة سياسية وإدارية واقتصادية متماسكة، إذ إن كل قرار مدروس يسهم في تعزيز الثقة بين الحكومة والمواطن، ويمنح مؤسسات الدولة القدرة على التحرك بثبات، وفي المقابل فإن القرار المتسرع قد يؤدي إلى إرباك الجهود الميدانية والإدارية، مهما كانت النوايا حسنة، ومن هنا يمكن القول إن حسن إدارة القرار يمثل بالفعل نصف الانتصار، لأنه يوفر البيئة المؤسسية اللازمة لإنجاح بقية الجهود.

عملية متكاملة:
ويقول خبراء الحكومة إن القرار الحكومي يمثل حصيلةً عملية مؤسسية متكاملة تبدأ بجمع المعلومات، ثم الدراسات الفنية والقانونية، مروراً بالمشاورات وتقدير الآثار السياسية والإدارية والاقتصادية، وانتهاءً بالمراجعة النهائية قبل اعتماده، منوهين إلى أنه كلما احترمت المؤسسة هذه المراحل، كلما خرج القرار أكثر جودة وقابلية للتنفيذ، وأقل حاجة إلى التعديل أو التراجع.

السرية:
ويؤكد لسان مبادئ الإدارة الرشيدة، أن الحفاظ على سرية مراحل إعداد القرار يمثل جزءاً من نجاحه، باعتبار أن القرار الذي يتسرب قبل اكتمال إجراءاته يصبح عرضة للتأويل والشائعات والضغوط، وقد يفقد جزءاً من هيبته قبل أن يرى النور، كما أن التسريبات تدفع المؤسسة إلى الانشغال بالردود والتبريرات، بدلاً من أن تكون صاحبة المبادرة في إدارة الرأي العام، الأمر الذي يبرز أهمية الانضباط المؤسسي واعتماد قنوات رسمية موحدة للإعلان عن القرارات.

تراجع:
ويرى خبراء الإدارة أن التراجع المدروس عن القرار لا يعني بالضرورة ضعفاً، بل قد يكون دليلاً على نضج المؤسسة وقدرتها على مراجعة نفسها متى ظهرت معلومات جديدة أو تبينت آثار لم تكن منظورة عند اتخاذ القرار، فالضعف الحقيقي يكمن في الإصرار على قرار ثبتت عدم جدواه، بينما تعكس المراجعة المؤسسية المرنة احتراماً للمصلحة العامة، شريطة أن تتم وفق إجراءات واضحة ومبررات معلنة تحفظ ثقة المواطنين.

صناعة القرار الحكومي:
ويقدم الباحث والكاتب الصحفي الركابي حسن يعقوب تصوراً عملياً لصناعة القرار الحكومي، يقوم على مرحلتين متكاملتين: تتمثل الأولى في صنع القرار، ويصفها بأنها أشبه بخط إنتاج صناعي يمر بعدة مراحل دقيقة، تشارك فيها الجهة المختصة وحدها، بما يضمن خروج القرار مستوفياً لعناصر الجودة، ويقلل الحاجة إلى المراجعة أو الاستدراك، ويرى الركابي في إفادته للكرامة أن المرحلة الثانية لصناعة القرار الحكومي، تكمن في اتخاذ القرار، وقال إن هذه المرحلة تبدأ بعد اكتمال جميع الإجراءات الفنية والقانونية، ليُعتمد القرار من السلطة المختصة ثم يُعلن عبر مصدر رسمي واحد، كوكالة السودان للأنباء ، وهي خطوة تمنع التضارب والتسريبات وتعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويحذر يعقوب من الاستعجال في نشر القرارات قبل اكتمالها، مؤكداً أن الالتزام بالتسلسل المؤسسي والانضباط الإعلامي يمثلان أحد أهم مقومات نجاح القرار الحكومي وصون هيبة الدولة.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن المحصلة ترى أن صناعة القرار ليست إجراءً إدارياً معزولاً، وإنما منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومة الصحيحة، وتمر بالدراسة والتنسيق والسرية والانضباط، وتنتهي بقرار واضح يصدر في الوقت المناسب ومن الجهة المختصة، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، تزداد الحاجة إلى ترسيخ هذه الثقافة المؤسسية، لأن قوة الدولة وبجانب ما تحققه من انتصارات في ميادين القتال، تقاس أيضاً بقدرتها على إنتاج قرارات رصينة تعزز الثقة، وتحفظ هيبة المؤسسات، وتدعم مسيرة الاستقرار وإعادة البناء والتنمية والإعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى