البرهان استعاد أمام الإعلاميين ذكرى استبسالهم،،
شهداء الحرس الرئاسي..بطولة وثبات..
دموع القائد العام تستعيد مشهداً لم يغادر الذاكرة..وفاء وعرفان..
“35” شهيداً نفدت ذخيرتهم ولم تنفد شجاعتهم.. من المسافة صفر..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
استعاد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ذكرى استبسال واستشهاد نحو 35 من ضباط وضباط صف وجنود الحرس الرئاسي والحرس الشخصي له، والذين قضوا في الساعات الأولى من اندلاع الحرب، أثناء تصديهم لمحاولة مليشيا الدعم السريع الوصول إلى مقر القيادة واستهداف قائد الجيش، وخلال مخاطبته الإعلاميين السودانيين في لقاء امتد زهاء أربع ساعات، استعاد البرهان، تفاصيل ذلك المشهد القاسي، مستحضراً كيف خاض أفراد الحرس معركتهم من المسافة صفر، ودافعوا عن قائدهم حتى نفدت ذخيرتهم، قبل أن يواصلوا القتال غير آبهين بخطورة المواجهة أو احتمالات الموت.
المهمة الخطيرة:
والواقع أن استبسال أولئك الضباط والجنود في تلك اللحظات، كان تعبيراً صادقاً عن إدراك عميق لخطورة المهمة التي كانوا يؤدونها، ذلك أن الميليشيا إن قُدر لها أن تنجح في أسر أو اغتيال قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة في الساعات الأولى للحرب، كان يمكن أن يترك تداعيات بالغة على القيادة والسيطرة وتماسك الدولة والمؤسسة العسكرية، في وقت كانت فيه البلاد تدخل واحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث، ولعل استذكار مشهد الشهداء الذي كان حاضراً في ذاكرة القائد العام خلال اللقاء الإعلامي، قد جاء مُحمَّلاً بألم شخصي وإنساني واضح، حين تحدث البرهان عن استشهادهم أمام عينيه، قبل أن تخنقه العبرة وتغلبه الدموع ويتوقف عن الحديث للحظات، في مشهد لم يكن تأثيره قاصراً على البرهان وحده، إذ بدا التأثر واضحاً على عدد كبير من الإعلاميين الحاضرين، حيث فاضت أعين بعضهم بالدموع، وهم يستمعون إلى رواية قائد يستعيد أمامهم ذكرى رجال قضوا دفاعاً عنه وعن موقع القيادة في الساعات الأولى للحرب.
إسقاط رأس القيادة:
ووفقاً لخبراء عسكريين فإن المعركة ضد ميليشيا الدعم السريع لم تكن في بدايات الحرب اشتباكاً عادياً بين قوتين عسكريتين، بل كانت مواجهة مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة، في مقدمتها الوصول إلى رأس الدولة والقيادة العسكرية، ليجد الحرس الرئاسي والحرس الشخصي أنفسهم أمام مهمة استثنائية تقوم على حماية رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة من محاولة استهداف مباشرة، في لحظة كان فيها مصير القيادة العليا للدولة جزءاً من معادلة المعركة، وكان إدراك خطورة الموقف حاضراً لدى أولئك الرجال الذين لم يتعاملوا مع المهمة باعتبارها مجرد حماية لشخصية رفيعة، وإنما باعتبارها دفاعاً عن مركز القيادة في لحظة كان يمكن أن يؤدي فيها غياب القائد العام إلى إحداث فراغ كبير في القيادة والسيطرة، وإرباك المؤسسة العسكرية والدولة على السواء، ومن هنا يمكن تفهم ضراوة المقاومة التي أبداها أفراد الحرس الذين كان عليهم أن يحولوا دون وصول المهاجمين إلى قائدهم مهما كان الثمن، وهو ما جعل الساعات الأولى من المعركة واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسار الحرب.

المسافة صفر:
لقد كانت المواجهة مباشرة، والاشتباك قريباً، لم يمنح أفراد الحرس مساحة كبيرة للمناورة أو التراجع، فقد قاتل الضباط وضباط الصف والجنود من المسافة صفر، وتمسكوا بمواقعهم في مواجهة القوة المهاجمة، حتى نفدت ذخيرتهم، فلم يتعاملوا بمنطق المعركة الذي يفرض عليهم الانسحاب أمام نفاد السلاح واختلال موازين القوة، ولكن {الرجال} اختاروا البقاء في مواقعهم، مدفوعين بمهمة واحدة، منع الوصول إلى قائدهم، الذي كان قد أصدر تعليماته وتوجيهاته لهم بالتراجع، ولكنهم تقدموا، وخاضوا مواجهة فرد لفرد، في دفاع مباشر عن قائدهم، ضاربين مثالاً يتجاوز حدود الشجاعة الفردية، ليلامس معنى الالتزام العسكري، إذ يصبح الجندي أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الالتزام الحرفي بتقدير الموقف الميداني، أو اتخاذ قرار شخصي يرى فيه أن الخطر الذي يهدد قائده يستوجب التضحية حتى وإن كانت كلفتها حياته، فاختار أولئك الرجال الخيار الثاني، فلم يتراجعوا عندما نفدت الذخيرة، ولم تكن لديهم ضمانات بأنهم سيخرجون أحياء من المواجهة، وإنما واصلوا أداء المهمة حتى النهاية.
خطر يتجاوز البرهان:
ويقول لسان التجربة والدراية العسكرية، إن القيادة والسيطرة في الحروب والنزاعات المسلحة، تمثل أحد أهم عناصر تماسك المؤسسات العسكرية، ولذلك فإن استهداف رأس القيادة في بداية حرب واسعة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الخسارة الشخصية إلى إرباك منظومة القرار برمتها، وفي هذه الحالة فإن ميليشيا الدعم السريع جعلت الوصول إلى الفريق ركن عبد الفتاح البرهان الذي يجمع بين موقع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، هدفاً ذا قيمة عسكرية وسياسية ورمزية عالية، ولكن الميليشيا لم تكن تدرك الفهم المتقدم للحرس الرئاسي الذي استبسل أفراده وهم يؤدون واجباً وطنياً شجاعاً يدركون من خلاله أن حماية القائد ليست مهمة بروتوكولية، وأن السماح بأسر القائد أو اغتياله يمكن أن يفتح الباب أمام تداعيات واسعة على المؤسسة العسكرية والدولة، لذلك قاتلوا من أجل إبقائه حياً، ليس فقط لأنه قائدهم المباشر، وإنما لأنه يمثل مركزاً للقيادة في لحظة كان السودان فيها يواجه محاولة فرض أمر واقع بالقوة.
دموع البرهان:
وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، بدت تلك الذكريات بالنسبة لقائد الجيش، أكبر من كونها صفحة ًمن الماضي، فحين استعاد البرهان أمام الإعلاميين صورة استشهاد أفراد الحرس الرئاسي والحرس الشخصي، كان واضحاً أن تفاصيل تلك الساعات لا تزال حاضرة في ذاكرته، خصوصاً أن بعض أولئك الجنود سقطوا مضرَّجين بدمائهم أمام عينيه، لقد كان حديث القائد مفعماً بدلالات وقيم إنسانية عميقة، وهو يستعيد أسماء ووجوه رجال وقفوا للدفاع عنه، ثم قضوا أمامه، وتقول إفادات بعض الزملاء الذين نقلوا أجواء اللقاء إن البرهان شعر بالفخر وهو يتحدث عن استبسال جنود الحرس، لكنه لم يستطع إخفاء ألمه، إذ خنقته العبرة وذرف الدموع، واضطر إلى التوقف عن الحديث للحظات، ولم يكن المشهد سهلاً على الإعلاميين الذين كانوا يستمعون إليه، فقد انتقل التأثر من منصة المتحدث إلى القاعة، وفاضت أعين بعض الحاضرين بالدموع، في لحظة اختلط فيها الحزن بالفخر، واستعاد فيها الجميع قصة رجال رحلوا في بداية الحرب دون أن تتاح لهم فرصة سرد ما فعلوه بأنفسهم، لقد كانت الدموع في تلك اللحظة، أبلغ من كثير من الكلمات، لم تكن دموع قائد يتذكر جنوده فحسب، وإنما دموع شاهد على لحظة قاسية رأى فيها رجالاً يضحون بحياتهم من أجل إنقاذه.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن استشهاد نحو 35 من الضباط وضباط الصف والجنود الذين كانوا ضمن الحرس الرئاسي والحرس الشخصي للقائد العام للقوات المسلحة، يستحق أن يتحول إلى جزء من الذاكرة الوطنية للحرب، فقد صنع هؤلاء الرجال التاريخ وهم يقفون في اللحظة الأصعب أمام الخطر، ويدفعون الثمن الأكبر دون أن ينتظروا مقابلاً، فينبغي أن تضطلع الدولة والمؤسسة العسكرية بمسؤولياتها بأن تحفظ لهذه المجموعة من الشهداء حقهم في التكريم والتوثيق، وأن تروي للأجيال القادمة قصتهم كما حدثت، ليست كواقعة عسكرية عابرة، وإنما باعتبارها واحدة من القصص الإنسانية التي تختزل معنى التضحية والواجب، فالأمم التي تحفظ ذاكرة شهدائها لا تحفظ الماضي فقط، وإنما تزرع في حاضرها ومستقبلها معنى الوفاء، وتؤكد أن من وقفوا دفاعاً عن الوطن والقيادة والشعب في أحلك الساعات، لن يكونوا أسماءً عابرة في تاريخ معركة، بل جزءاً من ذاكرة وطن بأكمله.






