رأي إعلامي
أ.شاذلي عبدالسلام محمد
عشوائية مؤلمه
🔹في بلاد لا تنقصها المآسي ولا العبر، يصبح الحديث عن الصحة أشبه بالسير في حقل ألغام فكل خطوة تكشف عن عبث جديد أو مأساة متجددة و نعيش في واقع يثير فينا الحزن أحيانا، والسخرية أحيانا أخرى، حين يتحول القطاع الصحي من ملاذ للمرضى إلى سلسلة من الكوميديا السوداء…..
🔹تبدأ القصة في المعمل المركزي بمستشفى شندي التعليمي، وردية الثالثة عصرا، وقت الذروة والازدحام كنت برفقة والدتي لإجراء فحص وظائف الكلى وهو إجراء بسيط لا يحتمل أي خطأ جلسنا ننتظر طويلا مثل بقية المرضى الذين بدت عليهم ملامح الإرهاق واليأس إلى أن جاءت النتيجة التي كانت صادمة
الاسم صحيح لكن النتيجة خاطئة تماما بدلا من تقرير وظائف الكلى حصلنا على نتيجة تحليل الملاريا تخيل هذا السيناريو والدتي التي لم تشتك من أعراض الملاريا أصبحت فجأة ضحية تشخيص خاطئ حاولنا فهم ما حدث فقيل لنا إن هناك تطابقا في الأسماء بين والدتي ومريضة أخرى…..
🔹عزيزي القارئ هذا الخطأ ليس عاديا بل كارثي إنه ليس مجرد نتيجة بديلة بل دليل على نظام مختل يفتقد إلى أبسط مقومات الدقة كيف يحدث هذا الخلط؟ وهل يمكن أن تكون هناك عشرات الحالات المماثلة التي لم يكتشف أصحابها أن نتائجهم ليست لهم؟….
🔹احبتي لم يتوقف العبث هنا فالمعمل قرر معالجة الخطأ بإجراء فحص جديد دون العودة إلى الحسابات و دون تحقيق أو مراجعة و هذا يعني أن النظام الصحي الذي نثق فيه يسمح بتبديل العينات وكأن الأمر لا يتعلق بأرواح الناس بل بنوع من اليانصيب العشوائي….
🔹عزيزي الكريم لم يمض وقت طويل على هذه الحادثة حيث سبقتها زيارة الوزير الاتحادي والولائي لنفس المستشفى في مشهد استعراضي بامتياز سيارات فاخرة، أهازيج حماسية، لافتات ضخمة تتحدث عن الإنجازات، وحشود من المسؤولين والمرافقين..لكن السؤال الذي يفرض نفسه ما الإنجاز الذي نحتفل به؟ هل الاحتفال كان لإنجاز حقيقي أم لذر الرماد في العيون؟ هل يتبادر في ذهن الوزير الطوابير الطويلة في المعمل؟ هل سمع عن تبديل نتائج المرضى؟ أم أن التصفيق والأهازيج تغطي دائما على الواقع المأساوي؟…
🔹ما يثير الغضب أكثر هو التناقض الصارخ في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من نقص الأجهزة الطبية والزحام في المعامل، تصرف أموال طائلة على مظاهر الاحتفال أليس من الأفضل تخصيص هذه الأموال لشراء أجهزة إضافية أو تحسين الكوادر البشرية؟ أليس المواطن أحق بهذه الأموال من تلك اللافتات البراقة؟…
🔹عزيزي الكريم إذا كنت تظن أن مأساة المعامل هي نهاية القصة، فأنت مخطئ القصة تستمر مع صيدليات التأمين الصحي، التي تغلق أبوابها يوم السبت وكأن المرضى يجب أن يتوقفوا عن التداوي في هذا اليوم…
🔹تخيل معي مريضا خرج من عملية جراحية يوم الجمعة، ووصف له الطبيب أدوية باهظة الثمن يتجه المريض إلى صيدلية التأمين صباح السبت ليُفاجأ بأنها مغلقة السبب؟ السبت عطلة رسمية هل يترك المريض ألمه ينتظر حتى يوم الأحد؟ أم يذهب لشراء الأدوية من السوق باسعار باهظة ولا يمتلك ثمنها، وهو بالكاد يستطيع توفير قوت يومه؟…
🔹احبتي الجمعة عطلة مفهومة ومبررة، لكن السبت؟ لماذا يغلق التأمين الصحي أبوابه بينما المستشفيات تعمل بكامل طاقتها؟ أليس هناك ما يكفي من الموظفين لتغطية ورديات السبت؟ أم أن حياة المرضى لا تعد أولوية أمام (راحة الموظفين)؟….
🔹احبتي سواء في المعمل المركزي أو صيدلية التأمين، القاسم المشترك هو العشوائية والإهمال كلتا الحالتين تكشفان عن نظام صحي يدير نفسه بلا تخطيط أو رقابة حقيقية و الغريب أن هذه المشكلات تحدث في وضح النهار، تحت أعين المسؤولين، ومع ذلك لا يتحرك أحد لتصحيح المسار…..
🔹زيارة الوزير كانت فرصة لتسليط الضوء على هذه الأزمات، لكنها تحولت إلى احتفال استعراضي وإذا كان المسؤولون يحتفلون، فمن يهتم بمعاناة المرضى؟….
🔹احبتي ما نحتاجه ليس مجرد ترقيع للمشكلات، بل إصلاح جذري و يجب أن تكون هناك منظومة صارمة تضمن دقة الفحوصات الطبية، آليات رقابة تمنع أي فساد محتمل، ونظام تأمين صحي يعمل على مدار الساعة لتلبية احتياجات المرضى…..
🔹في الختام هذا ليس مجرد عمود صحفي، بل نداء استغاثة فنحن بحاجة إلى نظام صحي يحترم إنسانيتنا، يضع المريض في صلب اهتماماته، ويتعامل مع الصحة كحق أساسي وليس كامتياز….
🔹دعونا نتوقف عن الاحتفال بالمظاهر الفارغة، ونبدأ في بناء نظام يعكس تطلعاتنا كأمة تسعى للحياة، لا للتصفيق وحتى يحدث ذلك، سيبقى المريض رهينة لهذا العبث، وسيظل صوت المواطن الغائب يطالب بالحق في العلاج، بعيدا عن طوابير الإهمال وأبواب الصيدليات المغلقة…..
🔹الى ان نلتقي….
٥ يناير ٢٠٢٥م






