فتح الرحمن زلفو يكتب … السودان يحتاج إلى العمل.. لا إلى مؤتمرات الشو
أمواج و شطان
فتح الرحمن زلفو
السودان يحتاج إلى العمل.. لا إلى مؤتمرات الشو
السودان اليوم محتاج شغل حقيقي من مؤسسات الدولة، أكثر من حاجته للمؤتمرات والورش والسمنارات التي تنتهي بانتهاء الجلسات والتي كثرت مؤخرا ، ثم لا نرى بعدها شيئًا على أرض الواقع.
في الوقت الذي تتقدم فيه القوات المسلحة السودانية وتحقق انتصارات في الميدان، يفترض أن يصاحب ذلك عمل مؤسسي واقتصادي واضح يعيد ترتيب أولويات الدولة، ويضع الموارد والمرافق الحيوية في المكان الذي يمكن أن تقدم فيه أكبر عائد ممكن للاقتصاد.
ومن أهم هذه المرافق ميناء بورتسودان، الذي يمثل واحدًا من أهم موارد الدولة ومصادر النقد الأجنبي. ورغم هذه الأهمية، ما زالت قدرات الميناء في عمليات التفريغ والشحن والمناولة والمرابط دون الإمكانات التي يمكن أن يصل إليها.
المشكلة هنا ليست في وجود هيئة للموانئ أو وزارة تشرف عليها، وإنما في غياب الرؤية التي تنظر إلى الميناء باعتباره مشروعًا اقتصاديًا استراتيجيًا، وليس مجرد مرفق يقدم خدمة محددة.
ميناء بورتسودان يمكن أن يكون أكثر من ذلك بكثير. يمكن أن يتحول إلى ساعد رئيسي للاقتصاد السوداني، وأن تتضاعف موارده إذا توفرت له الإدارة الفعالة، والتوسعة المطلوبة، والمعدات الحديثة، وخطة واضحة لزيادة حركة المناولة والشحن والتفريغ.
وهذا الأمر لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات بقدر ما يحتاج إلى قرار واضح وخطة تنفيذية وتمويل ومتابعة ومحاسبة.
والحديث عن الميناء يقودنا بالضرورة إلى ملف آخر لا يقل أهمية، وهو سكك حديد السودان.
السكك الحديدية كانت في وقت من الأوقات ناقلًا وطنيًا له دوره الكبير في حركة الاقتصاد، وكانت تربط مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ، وتوفر وسيلة نقل أقل تكلفة للبضائع. أما اليوم فقد تراجعت هذه المنظومة بصورة كبيرة، رغم أن الحاجة إليها أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
إعادة تأهيل السكة الحديد ليست مجرد مشروع خدمي؛ فهي مشروع اقتصادي في المقام الأول. فكلما انخفضت تكلفة نقل الصادرات والواردات والسلع بين مناطق الإنتاج والأسواق، انعكس ذلك بصورة مباشرة على الاقتصاد. كما أن وجود نقل بالسكك الحديدية يمكن أن يخفف الضغط على الطرق، ويقلل من الخسائر الناتجة عن الحوادث المرورية وتلف البضائع وتأخر وصولها.
وهنا تظهر مشكلة متكررة في طريقة إدارة الملفات الاقتصادية في السودان: كثرة الحديث عن الإصلاح وقلة التنفيذ.
نعقد الورش، ونقيم السمنارات، وننظم المؤتمرات، ونخرج بتوصيات جميلة، ثم بعد أن ينفض الناس من القاعة تتناثر التوصيات، وكأن شيئًا لم يكن.
المؤتمر في حد ذاته ليس مشكلة، والورشة ليست مشكلة، بل قد تكون ضرورية في بعض الأحيان. المشكلة عندما تصبح هذه الفعاليات هي نفسها الإنجاز، بدل أن تكون وسيلة للوصول إلى الإنجاز.
فإذا كانت الدولة تملك مبلغًا محدودًا يمكن إنفاقه على ورشة جديدة أو على إصلاح رافعة في الميناء، أو تأهيل جزء من خط سكة حديد، أو شراء معدات مناولة، فالأولوية يجب أن تكون لما يترك أثرًا مستمرًا على الأرض.
السودان لا تنقصه الأفكار والتوصيات، بل يحتاج إلى تحويل ما هو موجود أصلًا من أفكار ودراسات إلى مشاريع تنفذ وتتابع وتقاس نتائجها.
المطلوب اليوم أن تتغير طريقة التفكير: من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد، ومن المؤتمرات إلى المشاريع، ومن التوصيات إلى التنفيذ.
ميناء بورتسودان، وسكك حديد السودان، والطرق، والكهرباء، والمرافق الإنتاجية، كلها ليست ملفات ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. هذه هي البنية التي يمكن أن يقوم عليها اقتصاد بلد يملك موارد كبيرة، لكنه يحتاج إلى إدارة أفضل لهذه الموارد.
المطلوب ببساطة أن تعمل مؤسسات الدولة، وأن يكون لكل مشروع هدف واضح، وميزانية محددة، وجدول زمني، وجهة مسؤولة عن التنفيذ، ومتابعة حقيقية للنتائج.
السودان في هذه المرحلة لا يحتاج إلى مزيد من الشو الإعلامي؛ يحتاج إلى إنجازات يراها الناس على الأرض.



