مشروع الجزيرة بين الانسحاب الحكومي وتجارب الدول: من القومي إلى المتروك
تقرير – فجاج
لم يكن توضيح وزارة المالية بشأن استقلالية مشروع الجزيرة مجرد شرح قانوني، بل كشف بوضوح عن تحوّل عميق في نظرة الدولة السودانية للزراعة، وتحديدًا لأكبر مشروع زراعي عرفته البلاد. ولتقييم هذا التحوّل، لا بد من وضعه في سياق تجارب دول أخرى واجهت السؤال نفسه:
هل تنسحب الدولة من الزراعة أم تبقى ضامنًا لها؟
مشروع الجزيرة: من رمز سيادي إلى كيان مستقل
تاريخيًا، كان مشروع الجزيرة عمودًا فقريًا للاقتصاد السوداني، تموّله الدولة وتديره وتتحمّل مخاطره، باعتباره مشروعًا قوميًّا يرتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
غير أن قانون 2005 (وتعديل 2014) شكّل نقطة التحوّل، حيث جرى:
تفكيك الإدارة المركزية،
سحب التمويل الحكومي،
تحميل المزارع عبء الإنتاج والمخاطر.
التوضيح الأخير لوزارة المالية جاء ليؤكد هذا المسار: الدولة لم تعد طرفًا ماليًا في المشروع.
مصر: الدولة الضامن لا المتفرج
في التجربة المصرية، ورغم تطبيق إصلاحات اقتصادية واسعة، لم تنسحب الدولة من الزراعة.
ما زالت:
تدعم الري،
تتدخل في التسويق،
تموّل المشروعات الزراعية الكبرى.
النتيجة أن الزراعة، رغم التحديات، بقيت مستقرة نسبيًا، ولم يُترك الفلاح وحيدًا في مواجهة السوق.
إثيوبيا: استقلال إداري تحت مظلة سيادية
إثيوبيا منحت مشروعاتها الزراعية قدرًا من الاستقلال الإداري، لكنها أبقت الدولة:
مشرّعًا،
ممولًا جزئيًا،
ومشرفًا صارمًا.
الزراعة هناك نمت وتحولت إلى رافد تصديري مهم، ما يثبت أن الاستقلال لا يعني التخلي.
غانا: خصخصة منضبطة
اتبعت غانا خصخصة جزئية ومدروسة:
بعض الخدمات أُسندت للقطاع الخاص،
بينما بقي التسعير والدعم الموسمي بيد الدولة.
النتيجة كانت تحسين الأداء دون انهيار القطاع الزراعي التقليدي.
نيجيريا: درس الانسحاب الكامل
في المقابل، تُعد نيجيريا مثالًا صارخًا على فشل الانسحاب الحكومي الكامل:
رفع الدعم،
ترك المزارعين للتمويل التجاري،
تراجع الإنتاج رغم وفرة الموارد.
تحولت البلاد إلى مستورد غذاء، وفقدت الزراعة دورها الاجتماعي.
أين يقف مشروع الجزيرة؟
المسار الحالي لمشروع الجزيرة يقترب أكثر من النموذج النيجيري، حيث:
الدولة تتبرأ ماليًا،
المزارع يتحمّل الخسارة،
ولا يوجد بديل مؤسسي فعّال.
وهو يبتعد عن نماذج أثبتت نجاحها حين أبقت الدولة نفسها صمام أمان.
الخلاصة
التجارب الدولية تؤكد حقيقة واحدة:
لا توجد زراعة وطنية ناجحة بلا دولة حاضرة.
الدولة قد لا تدير كل التفاصيل، لكنها لا تنسحب ولا تتنصل.
أما تحويل مشروع الجزيرة من مشروع قومي إلى كيان “مستقل ماليًا” دون حماية، فليس إصلاحًا، بل تفكيك بطيء لآخر رموز الاقتصاد الزراعي السوداني.






