مقالات

هديل حبيب تكتب … (من قلب ود النورة) عندما يتحول الوجع إلى بدايةٍ جديدة

فجاج برس

آخر القول

هديل حبيب

(من قلب ود النورة) عندما يتحول الوجع إلى بدايةٍ جديدة

هديل حبيب تكتب ... (من قلب ود النورة) عندما يتحول الوجع إلى بدايةٍ جديدة
هديل حبيب

في الخامس من يونيو في العام ٢٠٢٤ هاجمت مليشيا الدعم السريع قرية ود النورة التي تقع في وسط ولاية الجزيرة هجومين منفصلين أستخدمت فيهما الأسلحة الثقيلة وأرتكبت مجزرة بشعة بحق المواطنين الأبرياء وراح ضحية الهجوم الغاشم ما يزيد عن مائةِ وثلاثين شهيد ، كان يوم دامي يحبس الأنفاس حيث عشرات الجثث ملقاة على الأرض ورائحة الموت في كل مكان في مشهدٍ صادم يندى له جبين الإنسانية ، ما يجدر ذكره أن الأهالي هناك بسطاء يمتهنون الزراعة والفلاحة والرعي لكسب العيش ما يعني خلو قريتهم من أي مظاهر عسكرية الأمر الذي يبرهن جليًا ما لا يدع مجالًا للشك أن منهجية المليشيا قائمة على الإستهداف المباشر للمدنيين العزل وإرتكاب الجرائم النكراء بحقهم ،
وهذه حقائق ستظل خالدة في الذاكرة السودانية لا يغفل عنها ،
واليوم بعد قرابةِ السنتين من تلك المجزرة الدامية إختلطت الدموع بالإصرار والوجع تحول إلى بدايةٍ جديدة فقد عاد نبض الحياة من جديد في قلب ود النورة وعدنا لنغطي الحياة لا المآسي فقط فالحدث جلل جدير بالتوثيق لما يعكس تعافي الإنسان والمكان معًا
إذ عاد الأهالي إلى تفاصيل حياتهم اليومية في ظروفٍ طبيعية حيث بدا الوقت فرصة للسعي وكسب الرزق لا مصدرًا للبحثِ عن طوق نجاة مما يترجم في صورةٍ عملية الإنتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة البناء ، حيث فتحت الأسواق واِمتلأت شوارع القرية بالحركة المعتادة وعاد الطلاب إلى مقاعد الدراسة بعد إنقطاعٍ طويل وعادوا إلى أحلامهم المؤجلة وعاد الأطفال في سكينةٍ تهدهد قلوبهم و تربت عليها ، إذ يمضون وقتهم كبقية الأطفال بين شليل وينو وشليل وين راح ؛ وبين أحلامهم الصغيرة آمنين وضاحكين حتى الإستلقاء لا يستفيقون بأصوات السلاح وحديث الموت والفزع ،
ود النورة قرية جريحة لكنها ما زالت تقاوم بالتكافل والتماسك لإدراكها بأن الحياة رغم جلل المصاب وحجم الألم والأنين تستمر ، وفي هذا تجسيد لإيمان لا تزعزعه نوائب الدهر وعزيمة صادقة في تخطي المأساة وإرادة نافذة لضمد الجراح الغائرة وهمة عالية خلفها كبرياء رجال أحرار للمضي قُدمًا لقناعتهم بأن الحياة تُخاض بقراراتٍ شجاعة تؤمن بالقضاء والقدر و تحمل يقينًا راسخًا بنصر الله ورعايته ، فما كان للحياة إلا أن تعود طوعًا لهم وفي ذلك دلالات و رسالة عميقة الأثر في بريد من يريد لهم الموت والإنكسار ،
ود النورة لربما قرية صغيرة لكنها كبيرة فينا لم تزل تمنحنا الدروس تباعًا ، إذ قدمت أنموذجًا في الإقدام والإستبسال والصبر في وقتٍ كان فيه الإستسلام تذكرة ضمان للحياة فقررت أن لا تركع ولسان حالها يردد قول عنترة : ( لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ بل فاسقني بالعز كأس الحنظل ) وتلك شيم الرجال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى