من له اليد العليا على نهر النيل بعد سريان اتفاقية عنتيبي؟
فجاج – بي بي سي – القاهرة
تجدد الجدل حول اتفاقية دول حوض النيل المعروفة باسم “عنتيبي”، التي توزع حصص المياه لأطول نهر في العالم وتنظم المشاريع التي تقام عليه بشكل ترفضه مصر والسودان، في وقتٍ تتأزم العلاقة مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الذي أقامته على منابع النهر ويثير خلافات لم تحل مع القاهرة والخرطوم.

ويوم الأحد دخلت ما تسمى بالاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل (CFA) المعروفة باسم اتفاقية “عنتيبي” – التي أبرمتها دول عدة على رأسها إثيوبيا – حيز التنفيذ بعد 14 عاماً من توقيعها.
ورأي خبراء تحدثوا لبي بي سي أن اتفاقية دول حوض النيل المعروفة باسم “عنتيبي” أصبحت أمراً واقعاً و”على مصر والسودان الانخراط فيها ومحاولة تحقيق مكاسب بدلاً من الصدام”. بينما ذهب آخرون إلى أن الاتفاقية “تخرق المبادئ والأعراف والاتفاقيات التاريخية فيما يخص مياه النيل، ومن حق القاهرة والخرطوم اللجوء لمجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية”.
قصة الاتفاقية
ولا تعترف الاتفاقية المعروفة باسم “عنتيبي” بالحصص التاريخية لمصر والسودان من مياه النهر، والمقررة بموجب اتفاقيات مبرمة منذ القرن الماضي، لكن إثيوبيا وبعض دول حوض النيل ترفضها وتصفها بالاتفاقيات التي خلفتها الدول الاستعمارية للقارة الأفريقية.
تعود اتفاقية عنتيبي إلى عام 2010، حيث اجتمعت 6 دول من حوض نهر النيل، وهي إثيوبيا، أوغندا، رواندا، تنزانيا، كينيا، وبوروندي، في مدينة عنتيبي الأوغندية بهدف تنظيم استخدام مياه النيل وتوزيعها بين الدول الأعضاء.

وبعد توقيع الاتفاقية، صادقت حكومتا إثيوبيا ورواندا عليها في عام 2013، ثم تبعتها مصادقة تنزانيا في عام 2015، وأوغندا في عام 2019، وبوروندي في عام 2023، بينما لم تصادق كينيا حتى الآن.
ولكن في يوم 14 أغسطس/ آب الماضي، وفي خطوة غير متوقعة، صادقت دولة جنوب السودان على الاتفاقية بعد تمرير برلمانها لها.
وبحسب بنود الاتفاقية فإنها تدخل حيز النفاذ بعد 60 يوماً من تصديق ثلثي دول حوض النيل البالغة 11 دولة على الاتفاقية.
وعلمت “بي بي سي” أن اجتماعا بين الدول المصادقة على الاتفاقية كان مقرراً له السبت في أديس أبابا ولكن تم تأجيله دون إعلان رسمي حول الاجتماع أو أسباب الإرجاء.
لكن الخبير الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، المتخصص في الشؤون الأفريقية ودول حوض النيل في موقع نايلوتيك بوست قال لبي بي سي إن هذا الاجتماع ليس له علاقة بدخول الاتفاقية حيز التنفيذ من عدمه، بل هو مجرد لقاء تشاوري وجرى تأجيله وقد يعقد فيما بعد.
ونوه إلى أنه وفق الاتفاقية فإن الدول الموقعة عليها ستشرع بشكل فوري في إنشاء مفوضية خاصة بتنظيم استخدام مياه نهر النيل والمشروعات التي تقام عليه.
ولكنه قال إنه لم تتم الإشارة من قريب أو بعيد إلى أن المفوضية سيكون لها علاقة بحسم الخلاف حول سد النهضة، موضحا أن “سد النهضة مشروع إثيوبي سابق على إنشاء المفوضية مثل السد العالي في مصر كذلك، بينما هي ستختص بالمشروعات المستقبلية”.
رفض مصري سوداني وتجاهل إثيوبي
وكانت مصر والسودان قد استبقت بدء سريان الاتفاقية بعقد اجتماع تشاوري للهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل بينهما يومي الجمعة والسبت، وأصدرتا بياناً مشتركاً أكدتا فيه رفضهما لاتفاقية عنتيبي، وأنها اتفاقية غير ملزمة وتخرق المبادئ القانونية الدولية.
وأكد من وجهة نظره أن إثيوبيا بالذات تعمل على تطبيب ما يسمى بالسيادة المطلقة وهو مبدأ غير موجود في القانون الدولي ولكنه معروف، ويعني أن الدول تسيطر سيطرة تامة على موارد المياه التي تنبع من أراضيها وهذا ما فعلته تركيا مع سوريا والعراق.
رأفت محمود قال أيضا إنه من الواضح أن التحركات المصرية الأخيرة مثل دعم القاهرة للصومال أغضبت إثيوبيا ومن ثم فهي تريد الضغط على مصر بملف مياه النيل.
ونوه إلى أن إثيوبيا في جميع تحركاتها ترغب في أن تظهر كقوة أفريقية عظمى وتفعل كل شيء لتأكيد ذلك، وعيناها على التوسعة التي ستحدث في عضوية مجلس الأمن وضم دولتين أفريقيتين له، والمنافس لها في هذا الملف “مصر”، ومن ثم فهي تفعل كل شيء لتظهر أمام العالم أقوى من مصر وممثلاً جيداً لأفريقيا. وهذا بدا واضحا من إثارة وزير خارجيتها لقصة اتفاقية عنتيبي بخطابه أمام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول الماضي.
كانت وزارة الخارجية المصرية أعلنت في 24 من سبتمبر/ أيلول الماضي رسمياً عن تسليم شحنة مساعدات عسكرية إلى مقديشو لدعم الجيش الصومالي، بعدما وصلت شحنة سابقة كشفت عنها وسائل إعلام بينما لم تعلق القاهرة عليها، وكانت تلك الشحنات أُرسلت بعد اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين.
كما تعتزم مصر المشاركة في قوات حفظ السلام الأفريقية في الصومال، بعدما رفضت حكومة مقديشو التمديد للقوات الإثيوبية، وهو ما رآه البعض يأتي رداً على اتفاق إثيوبيا – وهي دولة حبيسة – مع منطقة أرض الصومال الانفصالية للحصول على منفذ مائي منها لإنشاء قوة بحرية إثيوبية، وهو ما ترفضه الصومال وتراه اعتداءً على أراضيها.
إعادة التموضع في محيطهما الإقليمي والانضمام للاتفاقية ومحاولة استمالة الدول الموقعة عليها لصالحهما بدلا من الصِدام الذي قد يزيد الضرر عليهما.
إلا أن الدكتور إسماعيل خلف الله، أستاذ القانون والعلاقات الدولية بالمدرسة العليا للصحافة في باريس، قال لبي بي سي، إن “عدم توقيع مصر والسودان على الاتفاقية، لا يرتب عليهما أية التزامات تخصها”.
ويرى أن الاتفاقية تمثِل خرقا للمبادئ الدولية المتعلقة بعدم الإضرار بالغير أو خرق الاتفاقات المبرمة سابقاً. وهذه الاتفاقية تمثّل جوراً على الحقوق المائية المصرية والسودانية المقررة في اتفاقات دولية وموضوعة في سجلات جميع الهيئات الدولية والأممية.
وشدد على أن مصر والسودان من حقهما وضع اعتراضات رسمية على الاتفاقية لدى الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، وكذلك يحق لهما التحرك قانوناً ضدها في محكمة العدل الدولية والاتفاقيات التاريخية في صالحهما.
وختم قائلاً، إن الاتفاقية للأسف تكرس للخلافات ولم تقدم حلولاً للقضايا الكبرى في القارة مثل قضية سد النهضة، بل إن بنود الاتفاقية وطريقة عمل المفوضية المزمع إنشاؤها، ستزيد من رقعة الصراعات في المنطقة لأنها تعطي اليد العليا لدول المنابع على دول المصب، وكأن الأخيرة ليس من حقها إلا الإنصات والموافقة فقط.





