تقارير

سيادة «الدولار» أم سيادة الوطن؟ فخّ الدولرة ومخاطر الانهيار الاقتصادي

فجاج برس

سيادة «الدولار» أم سيادة الوطن؟

 

فخّ الدولرة ومخاطر الانهيار الاقتصادي

 

تقرير – فتح الرحمن زلفو

 

في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى السماح بتداول العملات الأجنبية داخل الأسواق المحلية. فبينما يرى البعض في ذلك وسيلة للتحوط وحفظ القيمة، يحذر خبراء الاقتصاد من أن «دولرة» التعاملات الداخلية، خاصة في ظل شح الموارد الأجنبية، تمثل رصاصة رحمة تُطلق على العملة الوطنية، وتُسرّع من وتيرة انهيار القوة الشرائية للمواطن حول هذا الامر قام الخبير الاقتصادي د. عمر يسن بتحليل عملية الدولرة .

فجوة العرض والطلب: معادلة مختلة تعاني الاقتصادات خلال فترات الحروب والاضطرابات من اختلال هيكلي واضح؛ إذ تتراجع الصادرات ويتوقف الإنتاج، في مقابل ارتفاع الطلب على العملات الصعبة لتمويل الواردات الأساسية، وعلى رأسها السلع الاستراتيجية، إضافة إلى فاتورة المجهود الحربي وواردات السلاح.

وفي هذه البيئة الهشة، يؤدي السماح بالتعامل بالدولار محليًا إلى تضخم الطلب عليه، ليس فقط لأغراض الاستيراد، بل باعتباره سلعة وملاذًا آمنًا، ما يضع ضغطًا هائلًا على معروض محدود أصلًا.

حلقة الانهيار المفرغة عندما يتجاوز الطلب حجم العرض بشكل مستمر، تبدأ العملة الوطنية في التآكل السريع، وينعكس ذلك مباشرة على الواقع المعيشي عبر:

ارتفاع حاد في الأسعار نتيجة ارتباط معظم السلع بسعر الصرف.

تراجع القوة الشرائية للأجور والمدخرات في فترات زمنية قصيرة.

فقدان الثقة في العملة الوطنية، وتحول التخلي عنها إلى سلوك جماعي بحثًا عن الأمان.

فاتورة الحرب: نزيف العملة الصعبة لا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل تمتد لتستنزف الاحتياطيات المحدودة من النقد الأجنبي. فتوجيه الجزء الأكبر من العملات الصعبة لتغطية الاحتياجات العسكرية يقلص المعروض المتاح للسلع المدنية، ويخلق ندرة حادة. وفي ظل هذا النزيف، يصبح تداول الدولار داخليًا أشبه بثقب أسود يبتلع ما تبقى من السيولة، ويدفع سعر الصرف إلى مستويات متسارعة من التدهور.

الضرورة القصوى: تدخل الدولة إن استمرار التعامل بالعملة الأجنبية داخل الحدود الوطنية في مثل هذه الظروف يقود حتمًا إلى تضخم جامح. ويؤكد المحللون أن حماية الاقتصاد تتطلب قرارات حاسمة، في مقدمتها حظر التعامل الداخلي بالعملات الأجنبية، وحصر استخدامها في القنوات الرسمية المرتبطة بالاستيراد الخارجي فقط.

خارطة طريق لاستعادة الثقة إلى جانب وقف الدولرة، تبرز الحاجة إلى حزمة إجراءات متكاملة، تشمل:

فرض السيادة النقدية وإلزام جميع المعاملات الداخلية بالعملة الوطنية.

تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني لتقليل التداول النقدي.

دعم الإنتاج المحلي لتخفيف الضغط على الاستيراد.

تشديد الرقابة والشفافية لمنع تسرب العملة الصعبة إلى السوق الموازي.

خلاصة القول إن معركة حماية العملة الوطنية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ فهي معركة بقاء اقتصادي وأمن قومي. وبدون كبح جماح الدولرة وتوجيه الموارد الشحيحة بحكمة، سيظل الاقتصاد يدور في حلقة مفرغة من التضخم والفقر، ويدفع المواطن البسيط ثمن هذا الانفلات من استقراره المعيشي وقدرته على الصمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى