سودان ما بعد الحرب … و نهضة رواندا الاقتصادية
نهضة رواندا الاقتصادية بعد 30 عاماً من الإبادة كيف يُستفاد من هذه التجربة في السودان
فجاج برس
تقرير – جادالكريم أحمد خالد .
في قلب القارة الإفريقية، تقف جمهورية رواندا كنجمة مضيئة ودليل حي على قدرة الإرادة البشرية على تحويل المأساة إلى إنجاز، فقبل ثلاثة عقود شهدت تلك البلاد إبادة جماعية راح ضحيتها نحو مليون شخص في 100 يوم فقط من عام 1994.
لكن القيادة الرواندية، التي تولت زمام الأمور بعد ذلك، نجحت في تحويل المحنة إلى فرصة من خلال مسارات متوازية شملت بناء السلام والمصالحة كأولوية قصوى ومكافحة الفساد بصرامة والاستثمار في رأس المال البشري خصوصا في قطاعي الصحة والتعليم، وتنويع الاقتصاد والتركيز على التكنولوجيا والخدمات.
وتقع رواندا وسط القارة السمراء إلى الجنوب من الدائرة الاستوائية ضمن نطاق هضبة البحيرات، وهي دولة داخلية لا سواحل لها تتصل بالعالم الخارجي عن طريق جاراتها خاصة عبر ميناء دار السلام بتنزانيا و ميناء مومباسا في كينيا، وتزيد مساحتها على ستة وعشرين ألف كيلو متر مربع، بعد انتهاء الحرب في رواندا، ورثت حكومتها الجديدة بلدا منهكا يعيش غالبية سكانه تحت خط الفقر وبنية تحتية مدمّرة وبنية مجتمعية مفككة، وقد عمل الرئيس الرواندي بول كاغامي على بناء أمة من الصفر ولم يكن هذا بالأمر الهين، فقد كانت المهمة تتطلب جهدا كبيرا.
ومنذ توليه السلطة، وضع الرئيس كاغامي أمامه هدفين واضحين :
أولهما توحيد الشعب، والثاني انتزاع البلاد من الفقر، وشرع الرئيس في خطة من عدة محاور ركزت على تحقيق المصالحة المجتمعية وإنجاز دستور جديد حظر استخدام مسميات الهوتو والتوتسي، وهما طرفا الحرب والإبادة هناك، وجرم استخدام أي خطاب عرقي.
ونجحت خطط الحكومة الرواندية في
تحقيق المصالحة بين أفراد المجتمع، فعاد اللاجئون إلى بلادهم، ونُظّمت محاكم محلية لإعادة الحقوق وإزالة المظالم. ومع التقدّم في الملفات الاجتماعية ركّزت الحكومة جهودها على تعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة بين المواطنين.
ومع تحسن الأوضاع الداخلية، وجّهت الحكومة طاقتها نحو التنمية وتطوير الاقتصاد، وبعد مشاورات دامت قرابة سنتين أطلقت الحكومة عام 2000 عقب تولي الرئيس بول كاغامي منصبه خطة “رؤية 2020” التي حدّدت أهدافها التنموية بحلول عام 2020.
وقد نجحت البلاد في تحقيق العديد من هذه الأهداف مما شجّعها على الإعلان في نهاية مؤتمر الحوار الوطني عام 2015 عن خطة “رؤية 2050” تهدف إلى تحويل رواندا إلى دولة ذات دخل متوسط أعلى بحلول عام 2035، ودولة ذات دخل مرتفع بحلول عام 2050.
تُعد تجربة رواندا في التنمية نموذجاً استثنائياً للنهوض من رماد الإبادة الجماعية (1994) إلى مصاف الدول الإفريقية الأسرع نمواً، بفضل إرادة سياسية قوية بقيادة كاغامي، والتركيز على المصالحة الوطنية، ومكافحة الفساد، والاستثمار في البشر والتكنولوجيا، مما حولها إلى مركز للابتكار ونموذج مستدام للنمو الشامل.
أبرز ركائز التجربة الرواندية:
المصالحة الوطنية والوحدة: إنهاء الانقسامات العرقية (هوتو/توتسي) عبر دستور جديد وتثقيف الشباب، مما أرسى استقراراً سياسياً هو الأساس لأي تنمية.
الحوكمة الرشيدة ومحاربة الفساد :
احتلت رواندا مراكز متقدمة عالمياً وإفريقياً في الشفافية، مع اعتماد معيار الجدارة في الجهاز الإداري.
الاستثمار في التعليم والصحة: توسيع التعليم النوعي والخدمات الصحية، مما رفع متوسط العمر المتوقع وحسن مؤشرات التنمية البشرية.
التحول الرقمي والابتكار :
استثمار مكثف في البنية التحتية التكنولوجية لجعل العاصمة “كيغالي” مركزاً للابتكار في شرق إفريقيا.
تمكين المرأة :
حققت رواندا أعلى نسبة تمثيل نسائي في البرلمان عالمياً (تتجاوز 60%)، مما جعل المرأة ركيزة في بناء السلام والتنمية.
«أوموغاندا» (يوم التطوع): مبادرة مجتمعية شهرية للمشاركة الجماعية في صيانة المرافق والبناء، تعزز التلاحم الوطني.
استطاعت رواندا عبر هذه الاستراتيجيات تحويل التحديات إلى فرص، محققة نهضة شاملة رغم قلة الموارد الطبيعية، لتصبح مثالاً يُحتذى به في التنمية الأفريقية.
رواندا.. دولة أفريقية نهضت من وحل العنف القبلي
رحلة رواندا نحو الازدهار :
استقرار سياسي ونمو اقتصادي من الصفر دروس مستفادة من تجربة رواندا ، تقدم تجربة رواندا دروسا قيمة للدول النامية التي تواجه تحديات مماثلة الوحدة الوطنية تعزيز الهوية الوطنية بدلاً من الانقسامات .
رواندا ..
معجزة التنمية والسلام في قلب القارة الإفريقية وفي قطاعي الصحة والتعليم، نجحت رواندا في خفض وفيات الأطفال وتحسين صحة الأمهات، إلى جانب توسيع نطاق التغطية الصحية، كما توسع التعليم بشكل كبير .
رواندا من الحرب الأهلية إلى التنمية الشاملة :
الهدف هو اكتشاف الآليات والإستراتيجيات التي اتّبعتها دولة رواندا، من أجل إعادة هيكلة وبناء الدولة، بعد سنوات طويلة وعنيفة من الحرب الأهلية والصراعات الداخلية، تبعتها أعمال إبادة جماعية تُعدّ من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ المعاصر. وليس الهدف تحليل تاريخ رواندا الحديث، وعرض أسباب اندلاع الحرب الأهلية أو أسباب الإبادة الجماعية، إنما الهدف إعطاء مثال للبلدان التي عانت، أو ما تزال تعاني، الحرب الأهلية أو النزاع المسلح -مثل السودان وإظهار أن إعادة بناء دولة حديثة، على الرغم من وجود تاريخ دموي من العنف و النزاعات المسلحة الداخلية، هو أمرٌ واقعي يمكن إنجازه. ومع ذلك، فإن المقارنة والقياس من أجل الوصول إلى التطابق أو المقاربة بين الدول ليست هي الغرض ، هي مهمة تكاد تكون مستحيلة على جميع المستويات، ولكن مشاركة الخبرة البشرية، لمعرفة كيفية إعادة بناء المجتمع والدولة، في أمّةٍ ما عانت الأمرّين من الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، هي أمرٌ مهم وملهم للغاية.
في شباط/ فبراير 2019، أطلقت رواندا أوّل قمر صناعي لها في الفضاء. وكان الهدف من ذلك ربط المدارس النائية في رواندا على نطاق واسع، بالإنترنت، وتوفير فرص كبيرة للتنمية للجيل الجديد من الروانديين. ومن المقرر أن يتبع هذه الخطوة إطلاق قمر صناعي ثانٍ، لأبحاث الفضاء والمساعدة في جمع البيانات حول موارد المياه والكوارث الطبيعية والزراعة والأرصاد الجوية، بما يخدم مصلحة البلاد والمواطنين الروانديين . حيث شهدت البلاد تحولات ضخمة، ويرى كثير من المختصين أن رواندا أصبحت دولة يحتذى بها في مجالات التنمية الاقتصادية والتخطيط ، حيث شهد اقتصاد البلاد ازدهارًا كبيرًا، وارتفع متوسط العمر المتوقع إلى أكثر من 30%، وتراجعت نسبة الانقسامات العرقية تراجعًا ملحوظًا جدًا، من خلال سياسات الدولة التي تهدف إلى تحفيز المصالحة والتماسك والسلم المجتمعي. وقد أشاد البنك الدولي برواندا، لكونها دولة “حققت تطورًا مثيرًا للإعجاب ، وقالت منظمة (يونيسف) إن انخفاض معدل وفيات الرضع (وهو يُعدّ مقياسًا مهمًا في تنمية البلاد) إلى النصف، منذ عام 2000، يُعدّ في مقاييس تنمية الشعوب “واحدًا من أهم الأحداث في تاريخ البشرية”، على الإطلاق .
النهضة الاقتصادية في رواندا العوامل ونتائجها والتحديات المستقبلية :
نجاحات دولة رواندا المحققة تنمويًّا في العقود الأخيرة ، وهي التي عانت من غياب الاستقرار بسبب الحرب الأهلية ، فما عوامل النجاح التي أسهمت في تحقيق التحولات السياسية الاقتصادية والتنموية في رواندا ، والتي جعلتها تنعم باستقرار لافت ؟ وكيف يتم تقييم هذه التجربة ؟ وما مدى قابليتها للاستدامة ؟
التحديات والعقبات ما بعد الحرب الأهلية :
منذ انتهاء الحرب الأهلية في رواندا انتهجت الحكومة الوليدة سياسات وإصلاحات في عمليات إدارة الدولة لتحقيق السلم الأهلي والاجتماعي والرخاء الاقتصادي، ولأجل ذلك تبنَّت الحكومة الوليدة نهجًا سياسيًّا خاصًّا بحيث لا يمكن تصنيف حكومتها بالديمقراطية الحقيقية في ظل حكم الحزب الواحد وإقصاء وتهميش المعارضة، إلا أن النظام الحاكم قام بإجراء تحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة كان من شأنها خلق نموذج بناء دولة جديد في القارة الإفريقية. لكن هذا التحول الإستراتيجي في إدارة الدولة لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، فقد شكَّلت ندرة الموارد البيئية أو الطبيعية تحديًا كبيرًا أمام الدولة الوليدة، وكان هذا الأمر أحد العوامل التي أسهمت سابقًا في إشعال الحرب الأهلية، فبلد مثل رواندا ذو كثافة سكانية عالية بالنسبة لمساحته، وباتت الأراضي فيه محدودة لاسيما أن جزءًا مهمًّا من البلاد تنتشر فيه التلال والبراكين؛ مما يحد من الاستفادة من مساحات الدولة المختلفة بشكل فعال. يضاف إلى ذلك أن الدولة واجهت معضلة استنزاف الموارد أو تدهورها بسبب العوامل الطبيعية، كما أن الإرث السياسي السابق الذي أدى إلى غياب العدالة في توزيع الأرضي بين السكان شكَّل تحديًا آخر للدولة الوليدة ، إذ استحوذ أغنياء ما قبل الحرب الأهلية على أكثر من نصف الأراضي الصالحة .
الخاتمة :
المقصود من طرح التجربة الرواندية الإستفادة منها من الناحية الإقتصادية والتخطيط الإستراتيجي القومي البيعد المدي والرؤية الإقتصادية المدروسة وكيفية تنفيذها رغم التحديات التي تواجه السودان قبل وبعد الحرب الحالية التي إندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي تمردت عليه و تضرر منها الشعب السوداني المكلوم ( قتل وتشرد ونهب اموال ممتلكات وطرد من المنازل وإغتصاب نساء وسجن مواطنين عزل ، و نزح معظمهم بالداخل و لجأ بعضهم لخارج السودان ) .
التخطيط المعياري والتشاركي :
ضرورة وضع خطة تنموية شاملة قابلة للقياس، تُبنى عبر مشاركة مجتمعية واسعة.
التوازن بين الهوية المحلية والمعايير الحديثة تجنّب الاستنساخ الأعمى للنماذج الأجنبية.
تركيز الجهود على الفئات المهمشة اللاجئون، النازحون، الأطفال المتخلفون عن التعليم .






