د. معتز صديق الحسن يكتب … أساتذة الجامعات السودانية: نعم لإضراب الكرامة ولا لدعم الإهانة
فجاج برس
بسم الله الرحمن الرحيم
جدير بالذكر
د. معتز صديق الحسن
Musdal55@gmail.com

أساتذة الجامعات السودانية: نعم لإضراب الكرامة ولا لدعم الإهانة
# منذ العام 2022م وهيئات التدريس بالجامعات السودانية تكابد وتعاني الأمرّين وهوانها على الناس إما لأقرباء يهاجمونها أو غرباء يترصدونها والسبب في كل ذلك ضعف مرتباتها وإن أُجيز هيكلها الراتبي الخاص وأيضًا استثناؤها من قانون الخدمة المدنية.
# لأنه وطول هذه السنوات الأربع العجاف فقد ظلت تلك الاستثناءات مجرد حبر على ورق حيث إن الأساتذة الجامعيين لم يطولوا منها العنب اليماني للهيكل الخاص بتنفيذه كما لم يطولوا منها أيضًا البلح الشامي للخدمة المدنية وذلك بالخروج منها.
# بل إن وزارة المالية الاتحادية ظلت تمُن وتستكثر عليهم ذلك كل تلك السنوات سالفة الذكر وحجتها شبه المنطقية في ذلك مادامت الجامعات لا تورد عندها ألبتة أية أموال فإن ما تقدمه لهم شهريًّا يظل دعمًا منها وليس مرتبًا واجبًا عليها.
# وهنا تنويه للمالية الاتحادية أنه إذا كان ما يعوق بالفعل تنفيذ الهيكل الاستثنائي عدم التوريد المالي من الجامعات لها فهذا شأن بينها وبين إدارات الجامعات عامة ووزارة التعليم العالي خاصة وأن الأستاذ الجامعي لا ناقة له ولا جمل في ذلك.
# لنقول هنا وبملء الفم إذا كانت الدولة تقدّر بحق وحقيقة أهمية الأدوار الجليلة والعظيمة التي يقدّمها الأستاذ الجامعي في كافة مناحي الحياة لما اضطرته إلى إعلان إضراب كرامة بل لصانت وجهه كرامة من مجرد التفكير فيه ناهيك عن مرحلة الوصول لإعلانه.
# ومع كل ذلك فإن هناك من يتجرأ ويتهم أساتذة الجامعات بأن قولهم هذا يعد من أفعال الخونة والمارقين فبالله عليكم لا أحد يزايد على وطنيتهم وأنهم بإضرابهم هذا لم يراعوا الأحداث الجسام والخطيرة التي يمر بها الوطن.
# لأن غالب المسؤولين الذين يطلقون هذه التهمة والمردودة عليهم فهم يصرفون مرتباتهم الضخمة كاملة بغير نقصان كما أنه لم تتوقف ولو لشهر نثريات سفرياتهم الخارجية “الدولارية” أو حتى الداخلية منها والمصروفة بالعملة المحلية.
# كما أن قصة مسؤولي القانون في هذا البلد والتي سارت بها الركبان حيث إن مؤسساتهم العدلية (القضائية والنيابية) لم تعلن إضراب قبل وقت كاف بل ساوموا بإغلاقها فورًا وإلى حين تنفيذ مطالباتهم المالية لتحقق لهم خلال أيام معدودات فقط.
# فحتى متى تريدون من أساتذة الجامعات أن يصبروا وقد صبروا حتى يوم الناس هذا لحوالي أربع سنوات أم أن هناك فرقًا للصبر على إضراب العاملين في الدولة من أجل الوطن فطائفة مطلوب منها الصبر لسنوات وبالزيادة وأخرى لا يشترط منها غير الصبر لأيام فقط وطائفة ثالثة غير مطلوب منها الصبر إطلاقًا.
# وللتذكير فإن السادة الأساتذة الجامعيين قد رفعوا إضرابهم المعلن وقته لذات الغرض والذي صادف دخول البلاد في حرب الكرامة بل عملوا فيها بعد ذلك لمدة العامين بما يعادل نصف مرتبهم هذا غير ثلاثة أشهر لم يسمعوا فيها بكلمة المرتب أو يرونه فيها إطلاقًا.
# بل حتى هذه الأشهر الثلاثة الغائبة بالكلية وعندما دُفعت لهم وبعد أكثر من سنتين لم تدفع بالكامل بل عُمل فيها أسوة بما كان سائدًا في شهور السنين ناقصة المرتب إذ دفع لهم منها نسبة 60% ليصل عدد الأشهر التي صرفت لهم بنقصان نسبة 40% (27) شهرًا.
# مما يؤكد أن المديونيات الكبيرة والكثيرة والتي تقع على عاتق الأستاذ الجامعي بسبب أنه ومن مرتبه الضئيل هذا والذي لا يكفيه وإن كان مكتملًا بنسبه 100% إلا إنه فهو يُدين منه الدولة ولأكثر من سنتين وبنسبة 40% شهريًا.
# وعليه وكما أوضح الأستاذ “العيكورة” في إحدى مقالتيه والمتناولة لبؤس الأستاذ الجامعي مستندًا في ذلك على ذكر المرتبات الضعيفة لهم وذكرها وهو خجلان والتي أوضح فيها مثلًا أن أعلى الأساتذة درجة البروفيسير يصرف مبلغ (500) ألف جنيهًا فقط.
#ولك أن تتخيل هذا المرتب العالي بزعمهم والضعيف جدًا بواقع السوق هو للبروفيسور فكيف بمن هم دونه في الدرجه خاصة في زمننا هذا والذي يشهد المصروفات العالية والغالية فأنّى يغطي له ولأسرته ضرورات مصروفات مطعمهم ومشربهم وملبسهم وصحتهم وتعليمهم و…و….
# فهذه الضآلة لمرتب البروفيسور الجامعي وصلت بها القصص الحقيقية والساخرة لدرجة مقارنتها بمرتب صبي غسيل السيارات والذي يصل دخله اليومي فيها وبحسب عظمة لسانه هو وبالجديد لما بين (100) إلى (150) ألف جنيه أي أن جملة دخله الشهري تصل لحوالي (3) إلى (3.5) مليون جنيه شهريًا.
# ليقول له أحد “البروفيسورات” هل تعلم أن مرتبك الشهري هذا يعادل مرتبي الشهري أنا ومعي حوالي خمسة أو ستة بروفيسورات آخرين؟ ليفاجئه الصبي بالعبارة الصادمة حد الإيلام: (القاليكم أقروا منو)؟
# أما أحوال الأساتذة في الدرجات التي هي ما دون “البروف” مباشرة “الدكاترة” وليس المحاضرين ولا مساعدي التدريس فتمثلها قصة الدكتور الذي اضطرته الحرب عندما وفد إلى إحدى الولايات للعمل فيها كصبي “درداقة” ولتحسن أحواله بعض الشيء منها.
# ليعقد ابنه مقارنة مؤلمة بعد أن طالب أباه بضرورة استمرار عمله في “الدرداقة” لأنها أفضل من عمله كأستاذ جامعي ليعترض عليه أبوه موضحًا بأنه لا مقارنة؛ وأن العمل بالجامعة في كل الأحوال أفضل من العمل بالدرداقة.
# ليرد الابن على أبيه وبصورة حازمة وحاسمة وقبلها صادمة ومؤلمة يا أبي إن عمل “الدرداقة” أفضل لأنك صرت تلبي لي كل طلباتي بسرعة سواءً للقراءة أو غير القراءة بينما كنت في الجامعة تقول لي انتظر المرتب ويأتي المرتب ولا تنفذ لي منها شيئًا.
# كما أننا هنا لن نشير إلى التفاصيل في تأثير هذا الضعف المالي على هيئة الأستاذ الجامعي سواءً كان في مظهره أم مخبره ففي الأولى مظهره صار الأستاذ الجامعي يأتي إلى محاضراته أشعث أغبر وأما في المخبر فقد صار مشتت الذهن سواءً كان في القاعة أم المعمل أم المكتب أم المكتبة أم … أم …
# هذا الأستاذ الجامعي والذي كان لوقت قريب يكفل أسرته مرتاحًا وبكل مطلوباتها الضرورية والترفيهية ويساعد أقاربه ويساعد كل من يقصده أما الآن فإذا رد أحدهم خائبًا فلن يصدّقوه -على الإطلاق- بأنه لم يعد لديه مال ليعطي منه بل هو نفسه بحاجة للإعانة والعطاء.
# ولا مبالغة في أنه ربما صار مستحقًا للزكاة ومن باب أربعة مصارف فيها وقد يجتمع فيه وفي وقت واحد مصرفان أو ثلاثة منها فهو إما من الفقراء أو المساكين أو الغارمين أو ابن السبيل هذا إن لم يبادر ويهجر المهنة نفسها أو يهاجر من البلاد بأكملها.
# إذًا واستنادًا على كل ما سبق فإن تاريخ 2026/3/29م ليس موعدًا لِلَي يد الدولة التي توجعها أو تهديدها بل هو موعد -لا أكثر ولا أقل- لاسترداد كرامة مرتب الأستاذ الجامعي من بين براثن الدعم المهين والممنون به. وعليه قوموا لإضرابكم يرحمكم الله.
هذا والله المستعان وعليه التكلان. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.






