تفقّد جنوب الخرطوم.. رافقه الوالي وطمأن المواطنين..
كباشي .. رسائل للداخل والخارج..
أشار إلى إستمرار العمليات والقضاء على التمرّد..اقتراب الحسم..
مايو الجغرافيا المنسية داخل المركز.. نظرة عن قرب..
الزيارة الأولى لمسؤول سيادي للمنطقة منذ اندلاع الحرب..
كباشي أكد إنفاذ مشروعات التنمية وتوفير الخدمات..
الوالي بشّر بتحسين المعيشة في الأحياء الأكثر احتياجاً..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية وأمنية واجتماعية، أجرى عضو مجلس السيادة الانتقالي نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن شمس الدين كباشي، زيارة ميدانية إلى منطقة جنوب الحزام الواقعة جنوب ولاية الخرطوم، شملت أحياء مانديلا، أنغولا، وغبوش بمنطقة النصر الكبرى، يرافقه والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والمدير التنفيذي لمحلية جبل أولياء، ومدير شرطة ولاية الخرطوم، وتُعد هذه الزيارة الأولى لمسؤول سيادي رفيع يتفقّد منطقة جنوب الحزام منذ اندلاع الحرب، وربما منذ مابعد 2018م، الأمر الذي منح الجولة أهمية استثنائية، باعتبارها كسرت عزلة جغرافية ورمزية ظلت تطوّق هذه المنطقة لعقود، ورسخت حضور الدولة في واحدة من أكثر مناطق العاصمة هشاشة وتأثراً بتداعيات الحرب.
تأريخ وحرمان:
تقع الأحياء التي شملتها الزيارة ضمن منطقة مايو جنوب الحزام، وهي منطقة سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى (ثورة مايو) التي قادها الجنرال جعفر محمد نميري في مايو من العام 1969م، وقد أنشئ الحي في سبعينيات القرن الماضي في الجزء الجنوبي من الخرطوم، غير أن المفارقة اللافتة أن المنطقة ظلت ترزح تحت وطأة الفقر وتردّي الخدمات رغم مرور أكثر من خمسين عاماً على تأسيسها، وعلى الرغم من أن مناطق سكنية مجاورة مثل الأزهري والأندلس شهدت تطوراً عمرانياً سريعاً وفاخراً، ظلت مايو حبيسة الإهمال، مع إنها تساهم بشكل كبير في رفد خزينة الدولة، لاحتضانها أسواقاً كبيرة ودلالات لبيع السيارات والأجهزة الإلكترونية والأدوات المنزلية، ويعمل معظم سكان مايو في مهن الهشاشة الاقتصادية وعمّال اليوميات، ما جعل المنطقة أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والأمنية.
فصول الحرب القاسية:
ومنذ بواكير حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، شهدت منطقة مايو واحدة من أقسى فصول المعاناة الإنسانية، بعد أن وجدت فيها ميليشيا الدعم السريع ملاذاً آمناً، وأُجبرت السكان على التعايش القسري مع وجودها المسلح، ونتج عن ذلك تدهور حاد في الأوضاع الصحية والأمنية والمعيشية، وتهديد مباشر لحياة آلاف المواطنين، وتكرّرت عمليات النهب والاعتقالات التعسفية، وتهجير الأسر قسراً تحت تهديد السلاح، إلى جانب انفلاتات أمنية خطيرة، مازاد من تدهور سبل العيش، وتفاقمت الأوضاع الصحية بخروج مستشفى بشائر، المستشفى الوحيد في المنطقة، عن الخدمة، وإغلاق معظم العيادات الطبية بسبب النهب والتخريب، ما حرم آلاف المرضى من تلقي العلاج، مما عمّق الأزمة الإنسانية في المنطقة.
تهيئة وتنظيم الخرطوم:
وكانت بعض أحياء منطقة مايو جنوب الحزام قد شهدت حملات إزالة السكن العشوائي، ضمن خطة حكومية تهدف إلى تهيئة البيئة وتنظيم المدينة، وقد استهدفت الحملة مئات المواقع المشيّدة بمواد مؤقتة، وسط وعود رسمية بتوفير بدائل سكنية وخدمات إيواء للمتضرّرين، غير أن هذه الإجراءات أثارت حالة من الغضب وسط المواطنين، خاصة في حي مانديلا، حيث يؤكّد السكان أنهم استقروا في المنطقة لسنوات طويلة، في المقابل، تقول سلطات ولاية الخرطوم إن الإزالة تأتي تنفيذاً لتوجيهات إعادة تنظيم المناطق العشوائية بعد استعادة الجيش السيطرة على العاصمة، وضمن برنامج عودة المواطنين وتحسين التخطيط العمراني، وقال والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة إن زيارة عضو مجلس السيادة، نائب القائد العام إلى مناطق جنوب الخرطوم تعكس اهتمام الدولة بتطوير البنية التحتية وتحسين مستوى المعيشة في الأحياء الأكثر احتياجاً، مشيداً بالروح الوطنية العالية التي أظهرها سكان قطاع النصر، ودعمهم المستمر لمؤسسات الدولة في هذه المرحلة الحرجة.
من الانتصار إلى الإعمار:
وطمأن عضو مجلس السيادة، نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن شمس الدين كباشي، مواطني منطقة جنوب الحزام، وأكد عزم القوات المسلحة والقوات المساندة لها على إنهاء التمرد والقضاء عليه بشكل كامل، مشدداً على أن العمليات العسكرية تسير بخطى ثابتة نحو النصر، ونوّه كباشي إلى مضي الحكومة قدماً في إنفاذ مشروعات التنمية وتوفير الخدمات الضرورية، وتأهيل وتحسين البنية التحتية وإعمار ما دمّرته الحرب، مثمناً صمود الشعب السوداني وتحمله للأذى خلال الفترة الماضية، قائلاً: “بفضل الله نحن ماضون إلى الأمام، ولن نتوقف حتى يتحقق النصر الكامل”، وأكد أن الظروف الراهنة وإفرازات الأزمة في الخرطوم فرضت إجراءات إزالة السكن الاضطراري، مبيناً أن السكن العشوائي تحوّل إلى تحدٍ أمني واجتماعي نتيجة التراكمات الاقتصادية، مجدداً التزام الدولة بتخطيط المنطقة وضمان توفير الخدمات الأساسية، والعمل على إيجاد معالجات عاجلة للمناطق المتأثرة بالتنسيق مع حكومة ولاية الخرطوم، بما في ذلك معالجة إشكالات السجل المدني لتسهيل استخراج الأوراق الثبوتية للمواطنين، وأكد كباشي أن الهدف الأساسي من الجولة هو الوقوف ميدانياً على قضايا المنطقة واحتياجات المواطنين، داعياً إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية لتخفيف المعاناة وتسريع وتيرة المعالجة.
رسائل وقرارات:
ويرى الصحفي والباحث في العلاقات الاستراتيجية رمضان عبد القادر أن زيارة الفريق أول شمس الدين كباشي إلى جنوب الخرطوم، تأتي في ظل أوضاع سياسية وأمنية معقّدة، تحمل طابعاً متعدد الرسائل والقرارات، وقال عبد القادر في إفادته ل(الكرامة) إن المنطقة كانت تعاني من هشاشة أمنية قبل الحرب، لكنها كانت متداركة وتقتصر على مجموعات إجرامية منفلتة أفرزها واقع اجتماعي معروف، وأن أجهزة الدولة كانت تراقب هذا الملف، إلا أن الحرب رفعت مستوى الهشاشة إلى (اللون الأحمر)، بعد تلاقي تلك المجموعات مع الميليشيا، ما جعل المنطقة ممراً للتمدّد والاختباء، ونوه عبد القادر إلى أن زيارة كباشي ترسل إشارة واضحة باقتراب استعادة السيطرة الكاملة، والانتقال من مرحلة الدفاع والاحتواء إلى مرحلة بسط هيبة الدولة والحسم، تمهيداً لمرحلة جديدة تتطلّع فيها الخرطوم إلى مستقبل مختلف، قوامه البناء والاستقرار، ولكن بما يتوافق مع احتياجات المواطنين الواقعية.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر،، تبقى زيارة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إلى منطقة جنوب الحزام بمثابة رسالة سياسية وأمنية مركّبة رسالة طمأنة للمواطنين، ورسالة حسم للمتفلتين، وإعلان عملي لعودة الدولة إلى جغرافيا طالها النسيان، وبين إزالة العشوائيات، وبسط الأمن، والتعهّد بإعادة الإعمار، تظل المعادلة الأصعب هي تحقيق التوازن بين هيبة الدولة وحقوق الناس، وهي معادلة يبدو أن الخرطوم مقبلة على اختبارها الأكبر في مرحلة ما بعد الحرب.





