رأي إعلامي
أ.شاذلي عبدالسلام محمد
خطاب ملغوم
في عالم السياسة السودانية غالبا ما تتشابك الأيديولوجيا مع المصالح السياسية لتفرز خطابا يبدو ظاهريا دينيا لكنه ينطوي على رسائل سياسية مشفرة ما قاله عبد الحي يوسف مؤخرا يحمل في طياته أكثر من مجرد وجهة نظر فهو إعلان مبطن يعكس تحولا استراتيجيا في الخطاب السياسي للحركة الإسلامية مع محاولتها إعادة التموضع وسط مشهد سياسي وعسكري شديد التعقيد…
عزيزي القارئ لطالما كان عبد الحي يوسف يعرف نفسه كرجل دين سلفي بعيدا عن التكتلات السياسية التقليدية للحركة الإسلامية غير أن خطابه الأخير حمل اعترافا ضمنيا بانتمائه إلى مشروع الحركة عندما نسب الفضل في الانتصارات الميدانية لما سماهم بـ(المجاهدين) هذا ليس مجرد إشادة بل محاولة لإعادة إنتاج صورة الحركة الإسلامية بوصفها (الحامية الحقيقية) للدولة الإسلامية في مقابل ضعف البرهان والجيش الرسمي…
تظهر هذه التصريحات تحولا في خطاب عبد الحي إذ لم يعد يرى ضرورة للفصل بين هويته السلفية والسياسية إنه اعتراف ضمني بأن السلفية كانت مجرد غطاء أيديولوجي في حين أن الانتماء الحقيقي يكمن في بنية الحركة الإسلامية…..
من بين الجمل الملغمة التي أثارت جدلا واسعا تصريح عبد الحي بأن الحركة الإسلامية (موجودة في مكتب البرهان وربما في غرفته) هذه العبارة ليست مجرد ادعاء إنها رسالة تحذير مباشرة تظهر أن الإسلاميين ما زالوا يمتلكون نفوذا سواء داخل مكاتب السلطة أو عبر قنوات خفية للتأثير……
هذا الخطاب يعد محاولة لترسيخ فكرة أن الإسلاميين لم يقصوا بل يعيدون ترتيب صفوفهم من داخل النظام نفسه في وقت يواجه فيه الجيش تحديات وجودية كما أن العبارة تعكس التوجه نحو ترهيب الخصوم السياسيين وإظهار القوة الرمزية للحركة حتى وإن بدا الوضع على الأرض مختلفا…
احبتي الكرام حين يقلل عبد الحي من شأن دور الجيش في المعارك الأخيرة لصالح المجاهدين فإنه لا يجرد الجيش من شرعيته فحسب بل يحاول تأسيس سردية جديدة تعيد الهيمنة الإسلامية إلى واجهة المشهد الخطاب هنا ليس موجها فقط إلى الداخل السوداني بل هو محاولة لاستقطاب الإسلاميين الذين تفرقوا بين تيارات متباينة منذ سقوط النظام السابق…..
هذا الطرح يعيد للأذهان استراتيجية الحركة الإسلامية في التسعينيات حينما كانت تستغل الخطاب الجهادي لتعزيز سيطرتها السياسية واليوم يبدو أن الحركة تحاول استعادة هذا الإرث في سياق مختلف لكن بالأدوات نفسها…….
الخلاصة ان تصريحات عبد الحي يوسف ليست مجرد كلمات عابرة بل هي جزء من لعبة سياسية أكبر تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في السودان في ظل التوترات الحالية يسعى الإسلاميون إلى استغلال الدين كأداة لإعادة بناء نفوذهم مستخدمين شخصيات مثل عبد الحي لتوجيه الرسائل وإدارة الصراع من خلف الستار…
ما يثير القلق في هذا الخطاب ليس فقط ما يحمله من رسائل سياسية بل أيضا ما يعكسه من انحدار في استخدام الدين كوسيلة لتحقيق مصالح سياسية بحتة هذا التداخل بين الدين والسياسة إذا استمر سيزيد من تعقيد المشهد السوداني ويصعب الوصول إلى استقرار حقيقي…
في النهاية تبقى الأسئلة معلقة: إلى أي مدى يستطيع هذا الخطاب التأثير في الواقع؟ وهل يتمكن السودانيون من تجاوز هذه الاستراتيجيات التي ترهن مستقبلهم لخلافات الماضي؟….
إلى ان نلتقي…




